اتحادات دولية بحفنة دولارات

بقلم: أميرة الحسن

أودُ أن أنوه مجدداً أن مقالي هذا لا علاقة له بدولةٍ أو أيةَ شخصيةٍ سياسيةٍ أو اتحادات بعينها في أي مكان؛
انما هو مقال تنموي تطويري فاذا وقع المقال على جريرة فرد فهو من جانب المصادفة البحتة… لذا وجب التنويه.

أشرتُ سابقاً في عدةِ مقالاتٍ لي تناولت خطورة منظومة التعليم وآثارها المميتةِ على الفردِ والمجتمعِ؛ منها الأميةِ السياسيةِ والجهلِ المركب، والشهاداتِ المزيفةِ والأمنِ الوطنيِ وكانت نتيجة ذلكَ أن تنحى حرف د. من أمامِ شخصياتٍ سياسيةٍ وكياناتٍ ذاتَ ثقلٍ في بعض المجتمعاتِ؛ فمنظماتِ المجتعِ المدنيِ التي ينتمي اليها هؤلاء؛ هي المصنعُ الذي تتمُ فيه عملياتُ غسيلِ العقول، واستبدال القيمِ والأطرِ والنظرياتِ والأيدلوجياتِ الناجعةِ بالأفكارِ الهدامةِ المرسومةِ لهدم الأوطانِ وتمزيقِ وحدةِ الشعوبِ، لذا فالحذر ثم الحذر؛ فكلما ازداد وعاءُ السياسةِ جهلاً ازدادتِ الأمةِ تقهقراً، وتراجعت ثوابتها، وضعُفت ركائزهُا، وبيع ارثها من الحضارةِ والأمجادِ بثمنٍ بخس، فشبابنا الواعي لبُّ الأساسِ في معركةِ الكينونةِ العربيةِ؛ أكون أو لا أكون، فنحنُ نخوضُ حروبُ التنوير مقابل الجهلِ المركب، حروبُ المبادىءَ والقيم في مقابل اللادين واللاأخلاق.
وها نحن اليوم نُكملَ المسيرةَ باخطبوطٍ جديد، وتدميرٍ اقتصادي وفكري ومعنوي للمجتمعاتِ العربيةِ؛ فقد جذبني اليوم اعلانٌ لإتحادٍ مهني يعلن عن عضويته الدولية في مجال تخصصه بـحفنة دولارات مقابل العديدِ من المميزاتِ التي تجعلك حينما تسمعها تظنُ أنك أصبحت سفيراً مفوضاً أو سفيراً فوق العادة؛ وأن هذا الإتحاد سيدافع عنك أمام كافة الجهات وسيتصدى لكل من تسول له نفسه المساس بك، وكعادةِ أي صحفيٍ تلقفت الخبر وذهبت به الى شيوخِ المهنةِ وعرضت عليهم الأمر؛ وسأعفيكم من سيل اللوم والعتاب الذي اعترى ذلك العلامةَ وما قاله من انفعال يؤكد ما أعلمه مسبقاً؛ وهو لماذا نسعى الى بصماتٍ وأوسمةٍ لا نستحقها؟ لماذا نُكملُ النقص الموجود لدينا بنقائص آخرى؟ ماذا سنسفيد حينما يقال عنا الطبيب أو المحامي أو الصحفي الدولي أو غيرها من المسميات التي تُشترى بالنقود؟ ما هي المزّيةَ وراء ذلك وما السبب في دفع الأموال لنيلِ الأوسمةِ والشهادات؟!!
يقول علم النفس في ذلك المضمار ان البحث في مثل هذه الحالات لشراءِ تقديرٍ يلفت الإنتباه انما نابع من “اضطرابات في الشخصية قد تصل مرحلتها الى البارانويا” أو “جنون العظمة والإضهاد” فالمصابُ يعتقد أن جموع البشر تسعى لإلحاق الضرر به لذا يسعى للتميز تحقيقاً للإنتقام اللاشعوري منهم، أو ربما كان سعيُهُ نابعٌ من فقدانِ الثقةِ في ذاته؛ وأن هذه التقديرات تغطي جوانبَ النقصِ والقصورِ الظاهرةُ فيه والتي يشعر أن الجميع يراها ويتابِعُها الى غير ذلك من الأسباب.
وسؤالي الذي أطرَحَهُ للجهاتِ والمؤسساتِ الرسميةِ والأفرادِ خاصةً في زمن التطور والتكنولجيا الرقميةِ؛ لماذا لا تتخذُ الدولِ العربيةِ مقاييساً علميةً ونوعيةً لقبول عضوية الإتحادات كما يحدث في تخصصات الطب مثلاً كالزمالة وغيرها؟! لماذا لا تُمنع الصحافةُ المحليةِ وغيرها من المؤسسات من اضافةِ ألقابِ الإتحاداتِ الخاويةِ من المضمونِ ولماذا لا تحاربها الدول العربية؟! لماذا دوماً وأبداً نسعى وراء المسميات الخاويةِ من المعنى والمحتوى ونترك القيم الرصينة والإتحاداتِ الثابتةِ والأشجارِ الوارفةِ.
يا سادة القصد دوماً وأبداً يكونُ الإنضمامُ الى الكياناتِ العلميةِ والمهنيةِ بقصدِ حصدِ انجازاتٍ واضافاتٍ علميةٍ ومهنيةٍ في مجالِ التخصصِ؛ والإنتماءِ لكياناتٍ رصينةٍ تدافع عن شرفِ المهنيةِ وحقوق منتسبيها؛ وهذا العمل يكون جرّاءَ رسومٍ معلومةٍ واشتراطاتٍ مهنيةٍ واختباراتٍ حصيفة وأنظمةٍ تأمينيةٍ تحفظُ كرامةَ المنتسبين حال الكِبرِ والعجزِ عن ممارسة المهنة؛ فهل ما نراه من اتحاداتٍ هنا وهناك تحقق ذاك المرتجى؟
ربما أكونُ مخطئةً وذاك حقُ القارىء في وصفي بذاك!! لكن هل حاولت أخي الكريم الولوج الى الغرفِ التجاريةِ بالدولِ الأجنبيةِ والأماكنِ المعنيةِ بتأسيسِ الشركاتِ والإتحادات الدولية!!! لو حاولت ستسمعُ العجبَ العجابَ وأنا أتكلم هنا عن واقعٍ عايشته وعاصرته بنفسي وليس ضرباً من الخيال.
ولي كلمةً باسمِ جموعِ المواطنين لهؤلاء المرّوجين والمنتسبين الى كياناتٍ وهميةٍ أما أن الأوان لكم أن تعودوا لرشدِكُم وتتوبوا من غيّكم؟! أما أن الأوان أن تلتحقوا بصفوف الشرفاء من الأكفاءِ والمجتهدينَ لتتنافسوا في عزِ وشرفٍ وكرامةٍ لتنالوا أوسمةً حقيقةً؟! أما كفاكم وهمٌ وخداع؟ ماذا تبقى لديكم من كياناتكم المهترئةِ بعدما يعرف الناس أنكم مجردَ فقاعاتٍ وبالوناتٍ لا رصيد لها على أرض الواقع والتخصص العلمي.
حسرةٌ وألفُ حسرةٍ على كل دقيقة قضيتموها بين أروقةِ المدرجات لتنهلوا من ينابيع العلم الصافية لتكونوا أيقوناتٍ علميةٍ فاذا بكم تنحرفون عن جادةِ الصواب وتصبحوا إمعاتٍ؛ الهواءُ المحيطُ بكم أثقلُ منكم قيمةً ومحتوى… يا حسرةً على العباد؟!
وفي الختام أقولُ، مخطئاٌ من يعتقدِ أن السماح باعلانات هذه الإتحاداتِ هو أمرٌ مهنيٌ بحت، ومخطىئٌ من يعتقد أن الجهةً الوحيدةً المعنيةً بالموافقةِ على الإنضمامِ الى هذه الكياناتِ هو شبيه هذه الإتحاداتِ بالدول العربية فقط!!.
صدقوني يا سادة الأمرُ أخطرُ من ذلك بكثير فهذه الكيانات انما هي ستارٌ لتمرير أمورٍ لا يعلمها إلا الأجهزة الأمنية، لذا فأنني ألتمسُ من الدولِ العربيةِ قاطبةً ملاحقة كافة منتسبي هذه الإتحاداتِ الوهميةِ ومروجوها والقضاء على هذه الظاهرةِ في مهدها وعدم السماح لأي فرد بالترويج لها إلا بعد الحصول على الموافقات الأمنية والمهنية المطلوبةِ لذلك. فهذه الكيانات تُشكلُ ثغرةً خطيرةً في حائطِ الأمن القومي للأوطانِ العربيةِ لأن هذه الأسماء ستصبح غداً رموزاً وأيقونات وقدوةً فكريةً للشباب وستروج أفكارهم الهدامةِ من خلالهم.
انهضوا يا ساسة وأعيدوا ترتيب الأولويات؛ فبقاءُ الدول وانجازاتها وثوابتها لن يتحقق الإ بفقهٍ سياسي وتعليمٌ نوعي ومجتمع مدني واعٍ بواجباته وحقوقه، ففساد المشورة التي يتولاها هؤلاء هو افسادٌ للمطابخ السياسية؛ واضرامٌ للنيران في بقايا العقول والمنتجعات الفكرية التي تذبُ عن حمى الوطن ليلَ نهار.

مشاركة
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى