القضية الفلسطينية بين الشعارات الرنانة والتخطيط الاستراتيجي

بقلم المستشار زيد الايوبي / القدس

كل المراقبون والمتابعون للاحداث في الشرق الاوسط وخصوصا على صعيد الصراع العربي الاسرائيلي يتفقون بان القضية الفلسطينية الآن على منعطف حاد وخطير وقد يتسبب بانقلاب السفينة وتدمير كل تطلعات الشعب الفلسطيني وبالتالي تصفية هذه القضية العادلة التي تعمدت بدماء الاف الشهداء والجرحى اذا لم نكرس استراتيجيات سياسية تتعامل مع الواقع والبيئة السياسية المحيطة كما هي.

منذ اكثر من سبعين عاما ونحن كفلسطينيين نخوض غمار معركة التحرير من الاحتلال الاسرائيلي الرابض على صدورنا بقوة الامر الواقع، حققا العديد من المكتسبات والمنجزات الوطنية التي اذا ما احسن استخدامها فإنها ستصب مباشرة في مصلحة الهدف الاسمى لكل الشعب الفلسطيني وهو اقامة الدولة الفلسطينة وعاصمتها القدس الشريف .

ان تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية الوطن المعنوي للكل الفلسطيني باعتباره الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني هو اهم المكتسبات الوطنية على الاطلاق خصوصا بعد الاعتراف الدولي بشرعية تمثيل المنظمة للشعب الفلسطيني باعتبارها حركة تحرر وطني تسعى لتقرير المصير.

انتقلنا في بداية التسعينات لانجاز وطني اخر وهو تكريس السلطة الوطنية الفلسطينية على جزء من ارضنا التاريخية في الضفة الغربية وقطاع غزة من خلال مفاوضات مباشرة من حكومة الاحتلال الاسرائيلي وبنظري أن تفاوض عدوك مباشرة هو مكسب آخر لان ذلك يتضمن اعترافا صريحا بحقيقة وجود الشعب الفلسطيني وحقه التاريخي الذي لن يضيع بعون الله.

لقد كرسنا كفلسطينيين نظام سياسي تعددي يعبر عن كل التوجهات الفكرية والايديولوجية وصولا لتنظيم انتخابات عامة تحترم اختلاف الاراء والتوجهات السياسية، انتخابات حرة يفاخر بها الكل الفلسطيني بنزاهتها بغض النظر عن نتائج الانتخابات من جهة من فاز ومن خسر ومن حصل على مقاعد اكثر او اقل ، فبنظرة شمولية لسير التطورات في المشهد السياسي الفلسطيني الداخلي سنكتشف جميعا اننا حققنا منجزات ومكتسبات جد مهمة وضرورية لبناء الدولة وتجسيدها على ارض الواقع.

لحين الانتخابات التشريعية الثانية في العام 2006 كان تاريخ القضية الفلسطينية حافل بالمنجزات وقليل الاخفاقات لاسباب كثيرة اهمها الوحدة الوطنية وحضور القضية الفلسطينة في الوجدان العربي والاسلامي والعالمي باعتبارها قضية حرية شعب اريد له ان يتهجر ويذبح من الوريد الى الوريد من اجل ان يقام على انقاضه كيان لاحتلال اسرائيلي غاصب لا يذر ولا يرحم، لكن للاسف بعد كل هذا المشوار الحافل بالانتصارات وصلنا لمحطة الاخفاق الخطير وهو الانقلاب الحمساوي على النظام السياسي الفلسطيني بعد فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية الثانية حيث سيطرت بقوة السلاح على كل مؤسسات السلطة الوطنية بما فيها مكتب الرئيس والاجهزة الامنية في غزة،واصبحت امر واقع رابض على صدر كل الغزيين.

الانقلاب او الانقسام او سموه ماشئتم كان الانعطافة الخطيرة والمفاجئة للقضية الفلسطينة فبدلا من ان نكرس كل جهدنا الوطني في مقارعة الاحتلال والنضال من اجل التحرير ها هو جهدنا النضالي ينعكس الى الصراع الفلسطيني الداخلي.

للاسف انشغلنا جميعا منذ الانقلاب الى الان بصراعاتنا الحزبية الداخلية على حساب قضية شعبنا الجليلة، مربع الانقسام الذي جرتنا اليه حماس كان بمثابة الهدية الثمينة على طبق من فضة للاحتلال الذي استثمر في ظرف الانقسام ليعزز الاستيطان في الضفة والقدس ليفرض امر واقع اسرائيلي لا يمكن تغييره وهو ما اصطلح عليه بقيام كيان اسرائيل بتقويض حل الدولتين الذي اقتنع العالم اجمع به.
وانت تدرس اسباب الانقلاب ستكتشف ان هناك لاعبين اقليميين يلعبون بالساحة الفلسطينية مثل قطر وتركيا وايران الذين يدعمون حماس ويمولوها ويمدوها بالسلاح على مرآى ومسمع الاحتلال الاسرائيلي، انا هنا لست بوارد تحليل التفاصيل لكن ما نعرفه وتربينا عليه هو ان الامة العربية العربية هي عمقنا الاستراتيجي والداعم والمساند لنا في كل المحطات والمراحل، حتى الرئيس الراحل ابو عمار لم يسجل في تاريخه انه خرج عن العرب باتجاه اي اجندة اقليمية اخرى، ابو عمار كان يعلم ويؤمن ان العرب هم اهل القضية الفلسطينية الحقيقيين وهم الحضن الدافيء للشعب الفلسطيني، في بعض الاحيان كان يناور ويحاول ان يستفيد من الاصطفافات العربية لصالح قضيته فاذا اختلف مع مصر يذهب باتجاه السعودية واذا اختلف مع السعودية والخليج يذهب باتجاه العراق واذا اختلف مع الاردن يذهب باتجاه مصر ويستمر في المناورة في داخل البيت العربي لكن لم يسجل عليه اطلاقا انه خرج خارج البيت العربي باتجاه اعداء الامة ايران او تركيا وانا هنا لا اقول ان ابوعمار في مناوراته كان مخطيء او مصيب ، انا هنا اتحدث عن فكرة عدم خروجنا من جلدنا العربي تاريخيا مهما حصل من خلاف مع اي طرف عربي وفي هذا السياق انا اثق بان الرئيس ابو مازن لا يمكن ان يخرج من عمقنا العربي فهو الاكثر فهما ووعيا لمعاني العمق العربي باعتباره السند والمدد مهما حصل من تطورات او ازمات ، لكن حماس العربية السنية فعلتها فانقلبت على العروبة والشيء بالشيء يذكر لو كلفنا انفسنا بالرجوع الى شعار منظمة التحرير الفلسطينية لوجدنا ضالتنا بين تفاصيل الشعار المطلوب رأسه من كل الحاقدين ، لقد دون اسلافنا العظام على هذا الشعار استراتيجيتنا الوطنية للمستقبل ( وحدة وطنية، تعبئة قومية). فلماذا اضعنا الطريق المرسومة لنا والمعمدة بدماء الشهداء؟؟؟
بكل الاحوال نستطيع ان نتحدث كثيرا عن الماضي وانجازاتنا لكن في الوقت الحاضر لابد من ان نتحمل المسؤولية الوطنية جميعا ونعترف باننا على حافة الهاوية فاما ان نتراجع جميعا الى الوراء واما ان نغرق جميعا وتنتهي حكايتنا بايدينا.

المحطات السابقة جميعها كانت تستند لمكانة القضية الفلسطينية في الوجدان العربي والاسلامي والعالمي من اجل ابقاء الملف الفلسطيني على الطاولة لدى كل القوى الاقليمية والدولية وكان يكفي ان يخرج احد القادة الفلسطينيين في اي مناسبة بخطاب عاطفي رنان فيلهب به مشاعر الجماهير الفلسطينية والعربية حتى نحقق اي مطلب لنا على المستوى الوطني او الاقليمي او الدولي، استطيع ان اقول انه في الماضي كله كانت استراتيجية دغدغة العواطف استراتيجية فعالة، لكن هل هذه الاستراتيجية تصلح لكل زمان ومكان؟؟
ان التطورات الداخلية على المستوى الفلسطيني والتطورات على المستوى العربي والدولي خصوصا بعد الانقلاب الحمساوي ونية بعض الاشقاء العرب فتح علاقات مباشرة مع كيان الاحتلال الاسرائيلي وصعود اليمين المتصهين في امريكا ممثلا بالرئيس دونالد ترامب المتحالف مع نتياهو الى سدة الحكم في بلاد العم سام والاعلان عن ما يعرف بصفقة القرن والاعتراف الامريكي بان القدس عاصمة ابدية لكيان الاحتلال والكثير من التطورات الدراماتيكية لا يمكن مواجهتها فلسطينيا بالخطابات العاطفية الرنانة والمواقف المتشنجة من قبل قادة الاحزاب الفلسطينية جمعاء.

لا يمكن مواجهة ترامب بالشعارات ولا يمكن التعامل مع الاتفاق الاماراتي الاسرائيلي بالتمترس خلف الرفض فهذا الاتفاق هو امر واقع شئنا ام ابينا ، لا يمكن فرض الموقف الفلسطيني حاليا على احد فمكانة القضية الفلسطينية تراجعت في الوجدات العربي ويكفي لتتأكد من ذلك متابعة مواقع التواصل الاجتماعي، يضاف لذلك ان الكثير من التطورات على مستوى العالم العربي جعل بعض الدول العربية الشقيقة والطامحة ان تفكر في مصالح لها باقامة علاقات مع الاحتلال الاسرائيلي رغم تأكيدها على التزامها بمبادرة السلام العربية والكثير من التطورات التي لا يمكن التعامل معها سياسيا بالخطابات والشعارات ، اذا ما العمل؟؟
اعتقد انه آن الاوان لانفكر فلسطينيا بان ننتقل جميعا من استراتيجية الخطابات والشعارات الى استراتجية التخطيط بحيث نحلل البيئة السياسية الوطنية والاقليمية والدولية ونضع استراتيجيتنا الوطنية وفقا للواقع المحيط بنا وليس وفقا لتمنياتنا.

يجب ان نحدد اهدافنا ورسالتنا بشكل دقيق ثم نحلل نقاط القوة ونقاط الضعف في الموقف الفلسطيني ، نعم لابد من تحليل الواقع المحيط بنا فنحن لا نعيش لوحدنا على هذا الكوكب ، بل يعيش معنا كيانات وجماعات سياسية تخلق لنا كل يوم واقع جديد لذلك لا بد من ان نخطط جيدا ونضع استراتيجيات للمبادرات السياسية واستراتيجيات لردات الفعل ثم نحول استراتيجياتنا بهذا الخصوص الى عمل وانشطة وتفاعلات تصب في خدمة اهدافنا الوطنية والسياسية.

لا يكفي لتقوية الموقف الفلسطيني ان نتحدث عن امجادنا في الستينات والسبعينات والثمانينات ،ولا يكفي لتقوية الموقف الفلسطيني ان نتحدث عن تضحياتنا ونبرز جرائم الاحتلال ، لا يكفي ان نصمد فقط، فمهما كانت قضيتنا عادلة وسامية لكنها ستبقى ضعيفة امام المتغيرات لاننا لا نخطط ولا نفكر بعقلية سياسية واقعية تتعامل مع الواقع المحيط بنا ويؤثر علينا كما هو ونحاول تغييره بالتخطيط للافضل.

اشعر بالحزن الشديد عندما ارى كيان الاحتلال يعلن عن تحقيق هدف وضع له خطة في الثمانينات مثل بناء جدار الفصل العنصري فمن يعتقد ان هذا الجدار كان ردة فعل فهو واهم،بالعكس هو هدف منشود وضعه اليمين الاسرائيلي في الثمانينات، لا اعلم لماذا لا نخطط مثل اعدائنا ؟ لماذا لا نضع خططنا الاستراتيجية ونحولها الى ماكنة عمل يومي لتحقيق اهدافنا بعيدا عن الارتجال للبعض ؟؟؟ متى نستطيع ان نحول اي ازمة نواجهها الى فرصة للنجاح وتحقيق تطلعاتنا؟؟
لذلك اقول يجب ان ننتقل من استراتيجية الشعارات والهاب العواطف الى التخطيط ومعالجة اسباب الضعف في الموقف الفلسطيني حتى لا يسجل علينا اننا خسرنا اعدل قضية في التاريخ على الاطلاق لاننا عاطفيون ولا نستخدم عقولنا في الازمات …

مشاركة
  •  
  • 4
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    4
    Shares

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى