تحديث المنظومة القانونية بوابة عبور لتحقيق الرؤية

بقلم الدكتور هادي اليامي، عضو مجلس السوري السعودي رئيس لجنة حقوق الإنسان العربية

منذ توحيدها على يد الملك المؤسس المغفور له بإذن الله الملك عبد العزيز آل سعود، ظلت المملكة العربية السعودية تشهد تطورا متواصلا يشمل كافة مجالات الحياة، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وبذل ملوكها السابقون، سعود وفيصل وخالد وفهد وعبد الله – رحمهم الله – جهودا كبيرة لأجل ترقية حياة المواطنين وتحقيق النهضة والازدهار وحققوا الكثير من الإنجازات التي تقف شاهدة على نفسها وتحكي عن قدرة الإنسان السعودي الذي بيده تطويع المستحيل وقهر الصعاب، ما دامت الإرادة موجودة والرغبة في التطوير متوفرة.

ونحن نعيش هذه الايام ذكرى اليوم الوطني التسعين للمملكة فإن من أبرز ما يميز العهد الزاهر الذي نعيشه في الوقت الحالي تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان – حفظهما الله – أن مساعي التطوير والتحديث التي تنتظم كافة أرجاء البلاد اتسع نطاقها وتعددت جوانبها، وتم التركيز على الجانب القانوني حيث تم تعديل كثير من التشريعات وصدرت قوانين جديدة لتكون قادرة على استيعاب المتغيرات التي يشهدها العالم المعاصر.

ومنذ إقرار رؤية المملكة 2030 التي أصبحت بمثابة خارطة طريق لكل المجالات، حظيت المنظومة القضائية بتطور لافت خلال الفترة الماضية، ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى أن القانون هو الذي يحكم جميع جوانب الحياة، ويحدد الأطر الصحيحة لحركة الأفراد والكيانات، وبدونه لا يمكن للحياة أن تستقيم ولا للحقوق أن تصان.

اللافت للنظر أن التشريعات الجديدة اهتمت بأن تكون المنظومة القانونية للمملكة مواكبة للنظام العالمي الجديد الذي يحكم العالم، لذلك فإن معظم القوانين الجديدة ركزت على الجوانب القضائية و الاقتصادية وعلى قضايا حقوق الإنسان والجوانب التي تخص المرأة، إضافة إلى تعديل قوانين الأحوال المدنية
من القوانين التي تم إقرارها أو تعديلها خلال الفترة الماضية نظام الأحداث الذي نص صراحة على عدم تطبيق حكم الإعدام بحق أي طفل لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره وقت ارتكابه للجريمة، كما تم منع الحكم بأي عقوبات بدنية على الأحداث، وإلغاء عقوبة الجلد في القضايا غير الحدية. وهذاالتعديل مستمد من صلب تعاليم الشريعة الإسلامية و يتناغم مع المواثيق والعهود الدولية.

كذلك تم تعديل أنظمة المرور ووثائق السفر والأحوال المدنية والعمل، بما يكفل صيانة حقوق المرأة، وإنصافها وضمان مكتسباتها وإتاحة الفرصة أمامها للعمل في كل المجالات، ورفع الظلم عنها وعدم السماح بعضلها أو إجبارها على الزواج. كذلك تم تحديث الكثير من القوانين المتعلقة بالعدة والحضانة والنفقة والسماح للمطلقة برؤية أطفالها ومنحها الحق في الحصول على معاش الضمان الاجتماعي إذا تغيب الأب عنها وعن أبنائها، وإثبات حقها في الميراث، ومنع إسقاطه إذا لم تطالب به. كل تلك القوانين هدفت إلى فتح آفاق العمل أمام المرأة، وتقليل نسبة البطالة في أوساط النساء، وزيادة مساهمتهن في الناتج المحلي الإجمالي.

إضافة لما سبق، اهتمت القيادة بالعنصر البشري في المرفق القضائي، لذلك تم إنشاء مركز التدريب العدلي لرفع كفاءة وتأهيل القضاة، لضمان مواكبتهم للتعديلات، مع وضع آلية واضحة للمراجعة والتقييم المستمر، تتضمن بيانات إحصائية، ومعلومات وافية، تتيح القدرة على قياس التقدم الذي تم إحرازه، ومعرفة أوجه القصور – إن وجدت – لتلافيها وتجاوزها. هذا الاهتمام مرده إلى قناعة القيادة الرشيدة بكفاءة رجال القضاء ونزاهتهم وسعيها المستمر لمساعدتهم على مواكبة التغييرات الجديدة وتمكينهم من القيام بالدور المطلوب منهم.

كذلك أولت الدولة جهودا كبيرة لمكافحة الفساد المالي والإداري، وشنت حربا لا هوادة فيها على مجاميع الفساد التي حاولت الاستئثار بخيرات هذه البلاد لأنفسها بطرق ملتوية، وترتبط هيئة مكافحة الفساد مباشرة بالمقام السامي، مما يضمن عدم تعرضها لأي ضغوط، لاسيما أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز – حفظه الله – توعد المفسدين بأن يطالهم سيف القانون وأن ذلك مصير أي مفسد “كائنا من كان”.

كذلك يشرف ولي العهد الأمير محمد بن سلمان شخصيا على تلك الجهود ويتابعها بنفسه ويقف إلى جانب الهيئة مهما كانت مكانة من تدور حولهم الشبهات، مؤكدا أكثر من مرة أن لا حصانة لمفسد. وقد حققت تلك الحملة نتائج باهرة خلال المرحلة الماضية وتمكنت من استرداد مبالغ طائلة، إضافة إلى تحسين مركز المملكة في سجل الشفافية وتعزيز مكانتها كمركز رئيسي لجذب الاستثمارات الأجنبية.

ومما يشعر المرء بالفخر أن هذه الطفرة التشريعية تأتي تنفيذا لرغبات الداخل وتلبية لتطلعات المواطنين ، وهو ما يجعلها جهدا سعوديا بامتياز، ينبع من رغبة القيادة الحكيمة في إسعاد شعبها وتحسين أوضاعه وضمان التوزيع العادل للثروة، وكف أيدي العابثين الذين سمحوا لأنفسهم بالاستئثار بالمال العام وحرمان أصحابه منه عبر استغلال وظائفهم أو أقاربهم.

حتما فإن الطريق أمامنا لا يزال طويلا، لأننا شعب متطلع لا حد لسقف طموحه، لذلك فإن هناك أهداف ينبغي أن تتحقق، وثمة خطوات يجب أن تقطع، وما دمنا نمضي في طريقنا بثبات فلا شك أننا سوف نصل في نهاية الأمر إلى ما نصبو إليه ونريده لأنفسنا.

مشاركة
  •  
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    2
    Shares

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى