دكتوره مني عامر تكتب لبوابة العرب الاخبارية ماذا تعرف عن التحكيم (2) مزايا التحكيم وعيوبه

بقلم أ.د/ منى طه عامر استاذ القانون المدني والتحكيم التجاري الدولي والمحامية بالنقض

تناولت فى الحلقة الاولى فكرة عامة عن التحكيم من حيث نشأته التاريخية ومراحل تطوره وتعريفه واصبح لزاماً عرض مزايا وعيوب التحكيم حتى يتعرف القارئ الكريم على العيوب والمزايا و يعلم مسبقاً الفوائد التى سوف يتحصل عليها من سلوك طريق التحكيم وأن يكون مستعداً لمواجهة عيوبه حيث انه بشرط التحكيم سوف يمتنع عليه اللجوء للقضاء العادى وعليه أن يفكر ويعي تماماً مزايا وعيوب للتحكيم قبل الاقدام عليه .

وللتحكيم مزايا عديدة أيا كان نوعه , فهو يؤدي إلى الإسراع في فض النزاع ، كما أنه يحقق رغبة الأطراف في تفادي علانية النزاع بينهما التي تتسم بها أحكام القضاء حيث أن القضاء العادى أهم شروطه هو علانية الجلسات والاحكام , وذلك بعكس الحال بالنسبة لجلسات التحكيم فالأصل فيها السرية . وذلك محافظة منهم على أسرارهم التي قد يكون لهم مصلحة في عدم إذاعتها إذ لا يوجب القانون أن تكون جلسات المحكمين علنية بل فى الواقع انها سرية للغاية تقتصر على حضور اطراف النزاع وهيئة التحكيم ومحامي الطرفين وامين سر الجلسة فقط .

وبالتحكيم يتجنب الأفراد بطئ القضاء الذي لايحكم في القضية إلا إذا جاء دورها ، إضافة الى التأجيلات والتى لا تتفق مع مصالح الخصوم في كثير من الأحوال وهذا ما يعطل استرداد الحقوق فى اقرب وقت وبالتالى فهو يعطل أيضاً حركة الاستثمار و دورة رأس المال وبالتالى التأثير سلباً على الاقتصاد فى الدولة ، وعلة ذلك أن المحكمين يكونون عادة متفرغين للفصل في خصومة واحدة فيتيسر لهم حسمها في وقت أقرب أضف إلى ذلك أن إجراءات التحكيم مبسطة ولا تماثل الإجراءات القضائية .

ومن مزايا التحكيم أيضاً التي تدعو كثير من المتنازعين إلى اللجوء إليه وتفضله على قضاء محاكم الدولة, أذ الإجراءات البطيئة المعقدة , ففى التحكيم يستطيع المتنازعان أن يختارا شخصاً محل ثقتيهما ليكون قاضياً بينهما في النزاع 0
أما في محاكم الدولة , فان الطرف يلتجئ إلى المحكمة دون أن يعرف مقدماً القاضي الذي سينظر في قضيته كما أنه يمكن للطرفين إختيار شخص له خبرة قانونية متميزة أو خبرة خاصة في نوع التجارة أو المقاولة أو في الموضوع أيا كان الذى يقوم بشأنه النزاع .

وتبدو هذه الميزة واضحة بالنسبة للتجارة الدولية , التي لها آلياتها وقواعدها الخاصة .وقد لا تتوافر هذه المعرفة أو الخبرة لدى قاضي المحكمة .

ولا يقال أنه يمكن الالتجاء إلى خبير يعاونه , فاستعانة قاضي الدولة بالخبراء يستنزف كثيراً من الوقت والجهد ويؤخر كثيراً الفصل في القضية إذ لايلزم أن يكون المحكم رجل قانون كالقاضي فقد يكون مهندساً أو طبيباً له خبرة في موضوع النزاع , فيتمكن من الإمساك بمقطع النزاع وحسمه دون الاستعانة بخبير هو ذو خبرة , فيفصل في النزاع بدقة وسرعة .

كما يتم التحكيم في القانون المصري على درجة واحدة , فحكم المحكمين لا يقبل الاستئناف . ولهذا فإن الالتجاء إلى التحكيم يؤدي إلى توفير الوقت والاقتصاد في النفقات , خاصة أن الأطراف يستطيعون الاتفاق على ميعاد قصير للتحكيم . وهو أمر غير متاح بالنسبة لقضاء الدولة حيث المبدأ هو التقاضي على درجتين , وقد يتلو ذلك الطعن بالنقض أو بالتماس إعادة النظر في حكم الاستئناف , كما أن القاضي ليس ملزماً بإصدار حكمه في ميعاد معين . وأي ميعاد قد يحدده القانون أو الأطراف لذلك لا يلزمه.خلاف التحكيم فإن الاطراف يتفقوا على موعد محدد لصدور حكم هيئة التحكيم وعلى هيئة التحكيم ان تلتزم بالموعد المحدد .

كذلك للطرفين في التحكيم أن يتفقا عل تخويل هيئة التحكيم الفصل في النزاع وفقاً لقواعد العدل والإنصاف , وعندئذ لا تلتزم هيئة التحكيم بتطبيق القانون بل تفصل في النزاع وفقاً لما تراه محققاً للعدالة. وهي في هذا يمكنها أن تنتهي إلى حكم يرضي الطرفين , ويبقى العلاقات الطيبة بينهما. وهو أمر هام خاصة بين التجار أو رجال الصناعة ورجال الأعمال الذين يحرصون على الإبقاء على ما بينهم من صلات حسنة في العمل .

ومن مزايا التحكيم أيضاً أن القاضي فى قضاء الدولة يلتزم بتطبيق القانون الإجرائي الساري في دولته , أما في التحكيم فان للأطراف الاتفاق على الإجراءات التي يرونها مناسبة لحل ما بينهم من نزاع , وقد يكون نزاعاً بسيطاً لا يتطلب إلا إجراءات بسيطة كما أن للأطراف الاتفاق على إخضاع التحكيم للإجراءات التي ينص عليها أي قانون إجرائي أو أي نظام إجرائي لمركز من مراكز التحكيم , حسبما يرونه مناسباً للنزاع بينهم .

ومن مزايا التحكيم أيضا أن القاضي في محاكم الدولة يلتزم بتطبيق قانون دولته أو القانون الذي تحيل إليه قواعد الإسناد.

أما في التحكيم فيمكن للأطراف الاتفاق على تطبيق القواعد القانونية في أي قانون لدولة أجنبية ، أو تلك التي يتضمنها نظام قانوني معين. وهو ما يمكن الأطراف من تطبيق القانون الذي يثقون في سلامة قواعده ,كما يمكنهم من الاتفاق على تطبيق قواعد الشريعة الإسلامية وإستبعاد القانون الوضعي .

كما يتميز التحكيم بتجنب التعرض لعلانية القضاء كما اشرنا سابقاً ، فإذا كان القانون يوجب أن تتم إجراءات التقاضي في المحاكم علنناً , ويوجب تلاوة الحكم علناً ويجيز نشره , فان التحكيم يجري دون علانية .فجلسات التحكيم تجري سراً لا يعلمها إلا الأطراف وممثلوهم , وحكم التحكيم لا يجوز نشره إلا بموافقة الأطراف , وفي هذا محافظة على سرية ما بينهم من تعاملات أو ما أبرموه من عقود , قد يضرهم الكشف عنها لمنافسيهم .

ولهذا يقال أن التحكيم يمثل خطوة نحو تخفيف حدة النزاع , إذ هو يستبدل بالنزاع القضائي المرهق أمام المحاكم نوعاً شكلاً أمام المحكم يحرص فيه الطرفان على استمرار علاقات العمل الودية بينهما.. كما أن التحكيم يخفف العبء على محاكم الدولة فكثرة القضايا في العصر الحديث أدت إلى أن ينوء القضاة بما يحملونه من أعباء في نظر القضايا والفصل فيها .

ولا شك أن طرح بعض هذه القضايا على محكمين خاصين من شأنه إنقاص عدد القضايا التي تنظرها المحاكم مما يؤدي إلى سرعة الفصل فيها
وتظهر مزايا التحكيم بوضوح في التحكيم التجاري الدولي , حيث يكون في الغالب بين طرفين من جنسيتين مختلفتين يريد كل منهما أن يجلب المنازعة إلى محكمة بلده وفقاً للإجراءات المتبعة في هذه المحكمة , كما يريد كل منهما تطبيق القواعد القانونية الموضوعية بقانون دولته , وهي مشكلة لا يحلها سوى الاتفاق على التحكيم , إذ به يختار الطرفان قاضيهما والإجراءات التي يتبعها والقواعد القانونية الموضوعية التي يطبقها . فلا يشعر أي منهما بالقهر لخضوعه دون الطرف الأخر إلى قضاء غير قضاء دولته أو لقواعد قانونية تنتمي إلى دولة الطرف الآخر.

ولهذا أصبح التحكيم التجاري الدولي ضرورة يفرضها واقع التجارة الدولية ، كما أن الشركات متعددة الجنسيات تفضل التحكيم لحسم منازعاتها في الدول المختلفة ولا ترغب في الخضوع لقضاء الدولة , كما أن الدولة وأشخاص القانون العام الذين يتعاقدون مع هذه الشركات لا يرغبون في الخضوع لقضاء الدول الأجنبية ويفضلون التحكيم بدلا منه عند الضرورة .

كذلك فان التحكيم قد يتناسب والظروف الخاصة للخصوم , إذ قد يتفق الخصوم مع المحكمين على عقد الجلسات في أوقات مناسبة لأعمالهم , وذلك غير ممكن بالنسبة لمواعيد الجلسات في المحاكم , التي تحدد وفقاً لظروف العمل في المحاكم وليس وفقاً لما يناسب ظروف الخصوم .

كما أن التحكيم يحقق رغبة الأطراف في عرض النزاع على أشخاص ذوى خبرة فنية خاصة أو على أشخاص محل ثقة ، لأنه يطرح النزاع على محكمة خاصة محايدة لا تنتمي بوجه خاص إلى جنسية معينة , يبعث الثقة فيها وفي أحكامها , كما تدل التجربة على أن قبول أحكام التحكيم وتنفيذها من جانب الخصوم أيسر من قبولهم وتنفيذهم لأحكام المحاكم الوطنية.

وإتفاق الأطراف على اللجوء الى التحكيم يكشف عن رغبة ونية الأطراف في حسم ما قد يثور بينهما من خلافات وينزع الى حد كبير صفة الخصومة ويقضي على وسائل التباطؤ التي من الممكن أن تتوافر في القضاء الوطني في بعض الأحيان كما يتسم التحكيم بحسم المنازعات بطريقة سريعة والتي تعطي قدراً هائلاً من المرونة في سير الإجراءات تاركة للأطراف حرية كاملة في إبداء أوجه الدفاع .

وقد إعتمدت بعض الجهات هذه الوسيلة ” صراحة ” لفض أية منازعات تثور بينها وبين الشركات أو المؤسسات أو الجهات الأخرى التي تتعامل معها ، فوضعت شرط التحكيم في جميع التصرفات الصادرة عنها .

بالاضافة الى ذلك يؤدى التحكيم الى تنقية البيئة التجارية ، بصورة سريعة ومرنة من المنازعات التى تعكر صفو الحياة التجارية وعرقلة التعاملات التجارية بين التجار ، وذلك بدلاً من إرتياد التجار لساحات المحاكم والخضوع للاجراءات الطويلة والمعقدة والمكلفة ايضاً والتى كثيراً ما تنتهى الى التشهير بالخصوم وزعزعة الثقة بينهم ازدياد توتر العلاقة والشقاق الذى ينتهى عادة بانتهاء العلاقة التجارية بينهم وهذا سوف يؤثر سلباً على ألحالة الاقتصادية لبلد التجار بصفة عامة0
وهذا ما ينشده نظام التحكيم ويبرز مدى أهميته فى المعاملات التجارية والعلاقة بين التجار 0
وأههم عيوب التحكيم أنه عالى التكاليف فمن لا يستطيع تحمل القدرة المالية على مصروفات التحكيم واتعاب هيئة التحكيم وبدء اجراءات التحكيم وحتى صدور الحكم يحتاج من المدعى بل ومن الاطراف ملاءة مالية تمكنهم من مباشرة دعوى التحكيم خاصة لو كان الاتفاق على أن تباشر اجراءات الدعوى وفقاً لقواعد تحكيم دولية مثل غرفة التجارة الدولية مثلاً أو طبقاً لقواعد مراكز التحكيم الاوربية أو أن تكون هيئة التحكيم اوربية الجنسية ، والعيب الآخر أنه اذا لم تكن هيئة التحكيم والوكلاء القانونيين لكلا طرفى دعوى التحكيم وصدر منهم خطأ قانونى فى الاجراءات ولم يتنبه اليه الوكلاء القانونيين او هيئة التحكيم فسوف ينتج عن ذلك بطلان حكم التحكيم ويعود الاطراف الى نقطة الصفر من البداية ويضيع عليهم ما انفقوه من وقت وجهد ومال . لذلك يجب على طرفى الدعوى مراعاة الدقة العالية فى اختيار اعضاء هيئة التحكيم ومن يمثلهم من هيئة الدفاع “المحامون المحترفون فى التحكيم ” .

مشاركة
  •  
  • 9
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    9
    Shares

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى