عن دار اسكرايب في مصر صدرت:
رواية “ليلة الفلفل في لوغانو” لأحمد جمعة

من أصعب وأبسط الأشياء بالعالم الموت والحياة!

شخصيتان غريبتان عن العالم…

“عتيق الخير”، موظف فقير بشركة، يعمل تحت أمرة “حبيب العبدالله” الذي عرض عليه فكرة السفر إلى لوغانو السويسرية لقضاء ثلاثة أشهر بها، وعاش كلٌ منهما أحداثًا ومواقف فضَّت ما في كليهما من مشاعر ومعتقدات مختنقة، انتهى أحدهما بعد تلك التجربة إلى الموت، والآخر إلى الحياة من جديد.

إحداهما وجودية منسلخة عن واقع الحياة اليومي المترع بالترهات، يمثل شخصية كاتب وموظف، تتقمص رأسه فكرة توديع الحياة باحتفالية غرائبية، حيث يقرر محاربة مرضه السرطان والتغلب عليه بمزيد من العناد، وآخر فقير ومهمش بلا تعليم، أمضى نصف حياته مراسلاً بمكتب الأوَّل، قضى حياته كلَّها بعزلةٍ ووحدة، بعد أن فقد وظيفته ومنزله وزوجته وولديه، انفصل عن العالم. يتفق الاثنان بعرضٍ من الأول على تبادل الأمكنة، وقضاء فترة إجازة بالخارج في عرض غريب تكفل فيه الأول وتحمل مصاريف الرحلة بمجملها لأجل هدف غاب مضمونه عن الآخر الذي سايره ليكتشف ما وراء هذه المغامرة.

يرقص الاثنان على حافة من الهاوية، محيطها، أوكار دعارة، مساجد وكنائس، قلاع ومحيطات، مدن، ساحات، حيث تتركز الوجوه وتذوب أو تنتفخ، تضحى جميعها مزارات لكاتب  ينشد وقت التكوين الروائي، لا حدود ولا خطوط حمراء، لا وقائع مسكوت عنها، لابد من اقتحام ملكوت المسكوت عنه، بكل التفاصيل، التي يكمن فيها الشيطان، بشري كان، أم جن، الالتحام بالمشردين والوجهاء والأعيان والمهمشين، عاهرات وراهبات على السواء، كل الأمكنة مباحة للأول، وكلّ الممارسات مسموح فيها، كل الكهوف متاح اقتحامها، هذا ما يسعى إليه الأوَّل، للخروج بحربه من مرض السرطان منتصراً ليثبت أن الوجود ليس محور الكون! فيما الآخر الذي ظلَّ ستون عاماً حبيس المسجد والصلاة الخمس، تصدمه رؤية الأوّل فيبدأ صراع الشكّ واليقين، بين الانفتاح الذهني والقبو الديني فهل من منتصر؟

ظلّ الله وظلّ العدميّة، يتشابكان كلغزٍ أزلي ينتهي بمسافة يتحرَّر فيها الاثنان من عذاب القبر…

مقطع من الرواية:

رويتُ لحبيب تفاصيل الليلة السوداء وليس لدي شكوك لماذا أسميتُها بالسوداء رغم بهجتها، علينا أن نُعيد النظر بالأسود الذي هو رمز التوَهُّج والتأجُّج، فتألُق الأسود يليق بالغموض والأناقة والتحدي وهو بنظري اِعتباراً من الليلة الفائِتة سيد الألوان كلّها، دمَجنا اللون الأسود الفاحم، مزجنا مشاعرنا وجسدينا وجعلنا العالم يُعيد تكوينه بالأسود. سرحتُ بهذا الاكتشاف المُذهل الذي شكلّ أسطورة السواد، كان الأسود باعتقادي هو لون الحزن ولون الأدنى ولون الجنائز، ولون الزنجي الذي قيل ليّ ولا أذكُّر المناسبة أنَّه من زنجبار العمانيّة، هذا ما كنت اعتقدتُ طوال عقود حياتي المنصرمة حتى أيقظَت رين المرأة السوداء وعيي من هذا الاعتقاد وحرَّرتني من أزمة نفسيّة بداخلي تجاه الأسود الذي أثبتَّت الليلة الفائتة أنَّه لون العالم الجميل. ودَّدت لو ملكتُ يراع حبيب بالكتابة لسَطرتُ الأناشيد والأهازيج باللون الأسود لكني اكتفيت بشعور الغبطة وأنا أكتشف أن الأسود تاج الجمال، والفضل للفتاة الكينيّة الإيطالية رين التي لو أمكنّني لقضيتُ بقية حياتي معها وألا أعود للوطن للأزل. سرني هذا الشعور الدافق بالحرية ورافق رغبة مجنونة بعدم العودة للوطن وقضاء بقيّة العمر هنا احتفاءً باللون الأسود.

مشاركة

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى