وَ زَغْرَدَت
كتب. الكاتب أيمن محمد صبح

  • إهدأ يا بنيّ فارتجافك يهزُّ السرير فيصدر صرير ..
    أمسِكْ نفسكَ قليلاً .. أنتَ رَجُل البيت .. ألا ترى أختك الصغيرة تنظر إليك فيزداد خوفها وتكاد تدميني من فرط تشبُّثها بي .. ؟
  • قال مُتَلَعْثِماً : لكنّهم يعرفون أنّنا هنا ..
    أمّاه لازلتُ صغيراً على الرجولةِ .. لم ينبتْ الشعر على جلدي بعدْ ولم يبلغ صوتي مداه ، لم أشبع من اللعب على البيادر ومن مطاردة الفراشات والعصافير
    أرجوكِ .. أرجوكِ .. أكره أن أكبر مُبكّراً
    أرجوكِ إقبليني في لحظات الرُعبِ طِفلاً ودعيني أنتحب في حضنك الدافئ الحنون آآآآآآآآآآآآآآآه .
    وارتمى في حضنها
  • قالت : جفِّفْ دمعك يا ولدي بيتُنا منيع سييأسوا ويذهبوا .. لن يقدروا على تحطيم بابه أو اقتلاع شبابيكه ، فقط استجمع قواك فلو أدركوا أنَا هنا وانَا خائفون سيتجرؤون علينا أكثر .
  • قال بفزع :
    لكنّهم يُحطِّموا ويُشْعلوا النيران ..
    أمّاه لقد اِلتَفّوا علينا من الحديقةِ .. بابها ضعيف ..
    أُمّاه إنَّهم يخترقونه ..
    أُمّاه سأختبأ تحت السرير ..
  • صاحت :
    لا تتركني و اختك .. خذها معك ..
    ( وتحطّم باب الغرفة بعنفٍ شديد .. )
  • قال ذئبٌ منهم مُتهَكِّماً : إذا ها أنتم .. !!
  • صرخت الأم : إبتعدوا عنّا …
    ( و الصغيرة تبكي بخوف )
  • لماذا تبكي هذه الصغيرة ؟ تعالي لا تخافي … و مدَّ يده نحوها
  • تدفن الصغيرة وجهها تحت ذقن أمها وتزداد موجة زعرها و تصيح :
    يا مامااا يامامااا أين أبي ؟
    يا بابااااا دخيلك .. تأخّرت كثيرا ..
  • أباك ؟ هاهاها .. لقد أحضرناه لكم يا ناكري الجميل ، منذ كم من الوقت نقرع بابكم .. ؟ لم تفتحوا .. لم تسألوا .. لم تسعلوا .. لم تنظروا .. لم تتململوا .. !!!! ربّما لو بكرتم قليلا لاستطعتم أن تكلّموه .
    قالت الأم : ما قصدكم يا جبناء ؟ يا من تدَعون الرجولة و تهاجمون امرأة وحيدة مقتحمين منزلها ، أين زوجي ؟؟
  • قال الذئب بعنف : هاتوه ..
    وألقوه أمامها جثةً هامدةً حرّكْتها قوّة زنودهم الحاقدة فتكومتْ الجثةُ أمامها والدم لا يزال ينزف من بعض مواقع الطعن والتشطيب .
  • صرخت : ويلاه .. ويلااااااااااااااااااااااااه
    ( والفتى يرتجف تحت السرير لقد عاد الأب الذي ينتظرونه ليُنقذهم مُسربلا بالدماء ، وأمه تلطم وجهها فوقه و أخته المسكينة يكاد يسمع دقّات قلبها المتهالك رُعباً .. أما هو فأغمض عينيه خوفا وحقدا .. ماذا أستطيع أن أفعل إنهم خمس رجال مسلحين ، سأبقي عينيَ مغمضتين ربما يكون حُلما ثم أُفيق … )
  • صاح الذئب : وهذا رأسه
    ( ألقوه مقطوعاً فتدحرج أمامهم كَكُرَةٍ مثقوبةٍ وعيناه مفتوحتان وقد تناثر بعض دماغه فوق الشعر و لوَن الأرض بالدماء والتراب و ذاكرة الدماغ المتناثر … )
  • [ لا لا أنا أسمع صوتهم أنا لا أحلم ، وفتح عينيه فالتقت بعيني أبيه ، أشعرتاه أنه يستغيث ، أحس أن أباه يقول له : انهض و اثأر …. أنت الآن رجل البيت لا تدعهم بعد قتلي يفترسون عرضنا ، ما هكذا ربيتك ما هكذا علمتك ، ما أردتك أرنبا ولا سنجابا بل أردتك نسرا وليثا ..
    هكذا تكون …هكذا تكون .. هكذا يجب أن تكون … ]
  • و صرخت الأم : حقراء سفاكون
    ماذا فعل لكم ؟ ماذا فعلنا لكم .. !؟
    ألسنا سُكّان بلدةٍ واحدةٍ ؟ ألسنا جيرانا ؟ ألم يرقص بعض أهلكم في عرسنا ؟
    ألم ترونا في أفراحكم و في أحزانكم ؟ !!!
  • رد زعيمهم بعنف : قد كان ذلك يا شمطاء .. وأخذوا يقهقهون ….
    ثم قال :
  • وهذه نجوم كتفيه التي طالما رأيناه مُعتزّاً بها .. خذيها لعلها تنفعكم .. ( ورموها أمامها )
  • وهذه بندقيته الروسيّةُ التي أطلق نارها على من يراهم أعداء الوطن ….علينا …. خذيها .. ( ورموها بينها وبين السرير خلف جثة القتيل … )
    همَّتْ بحملها فقهقهوا :
  • لقد سحبنا منها مخزن الرصاص وباتت لعبة للصغيرة التي سنفترسها ونمتص دماءها قبل افتراسك و امتصاص دمائك ..
    ( و هجموا عليها .. التقط أحدهم الصغيرة فعاركتهم أمها .. أطبق الذئب على شعر الأم و سحلها .. وآخران أخرجا من الغرفة الطفلة المسكينة .. )
    [ والفتى … ذاك الرجل الموعود
    راح من خلف المتعاركين يُحاول مدَّ يده ليمسك الروسية .. وفعلاً ..
    وصل إليها ..
    سحبها لتحت السرير ..
    و ضمّها لصدره مُستنشقاً رائحة أبيه فيها و طافت للحظةٍ بخياله أيام علَمه عليها و درّبه على استخدامها ..
    لكن أين الرصاص .. ؟
    نظر لرأس أبيه المقطوع الذي تحرك قليلا من لمسة العراك الدائر فتركزت نظرته أسفل السرير ، أباه كان شجاعا وكان ذكيا هل من المعقول أن يكون قد خبأ رصاصا أسفل السرير بدأ يبحث بناظريه والعراك لا يزال قائما والصراخ والبكاء والعويل .. ]
    أمسك ذئب آخر الأم من وركها وثالث من صدرها .. فصاحت تستجير :
    وااا ذُلّاااااااااااااااااااااااااااااااااااه ………
    وتمزَّقَ بعضُ ثوبها ووقعت مغشيّاً عليها والحقراء يلحسون شفاههم فقد سال لعابهم بعد أن تعرّى بعضُ لحمها ..
  • وقبل أن ينتهي ترجيعُ صدى صراخها زغْرَدَتْ روسيّةُ زوجها بيد ابنها الذي استجمع قواه و وجّهَ نيران حقده المكتوم و ثأر المظلوم عليهم فخروّا صرعى تلطّخهم دماءهم القاتمة ..
    ودخل الآخران صارخين : ماذا حصل ؟ فعاجلهما المقدام ابنها برصاص الكرامة فسقطا ميتين مندهشين ..
    هدأت الجلبة
    ساد السكون لا يُسمع غير هسهسة النيران في الخارج تكاد تخبو ..

ثم نهض
أحضر أخته وقد تمزقت أكمام ثوبها أنهضا أمّهما مع شروق الشمس وتناثر خيوطها الأولى ..
ابتسمت الأم
رغم الجراح وتراكم القتلى .. ابتسمت
فقد رأت طيف شارب ابنها تحت الجلد بدأ الآن ينبثق خارجا منه ذاك البطل ..

  • ولا تزال تقسم كلما روت قصة تلك الليلة المريعة أن الدماء الخبيثة سالت مُتّجهة لتمتزج مع دماء زوجها الشهيد في مجرى واحد لكن حدث أمرٌ يُشبه المستحيل فقد تحدَبت الأرض بما يكفي لمنع ذلك .. واتجهت دماءهم للمجارير ،
    بينما أخذت دماء زوجها شكل نجمتين خضراوتين وضّاءتين
    ولم تمحوهما ولن تزيلهما من مكانهما و مكانتهما كل محاولات الغدر والتغيير .
مشاركة
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

1 فكرة عن “وَ زَغْرَدَت<br>كتب. الكاتب أيمن محمد صبح”

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى