الإسلام وقوانين الأسرة

د. أحمد شلبي
الإسلام وقوانين الأسرة
الأسرةُ في التفكير الإسلامي وحدة شديدة التماسك قوية الأواصر. فينبغي أن يكون هناك تعاون تام بين أفرادها، ويلزم أن يعرف كل منهم حقوقَه وواجباتِه، بل إن التفكير الإسلامي يذهب إلى مدى أعمق من الحقوق والواجبات، فهو يحث على الحب وعلى الإيثار بين أفراد الأسرة.

هذه ملاحظةٌ، وملاحظة أخرى هي أن الله سبحانه وتعالى بعد أن أورد في سورة البقرة كثيرًا من الأحكام التي تحسم المشكلات داخل الأسرة، ختمها بقوله: ﴿وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237] مما يمكن أن يُفهم منه أن القوانين والحقوق والواجبات تستعمل عند شُح النفس. أما الذي ينبغي أن يوجد بين أعضاء الأسرة بل بين أعضاء المجتمع الإسلامي كله فهو الحبُّ والتسامح والإيثار.
ومع هذا فإن الإسلام وضع القوانين التي يتحتم أن يتبعها المسلمون إذا لم يشملهم الحب والتسامح والإيثار، وفيما يلي هذه القوانين:
حقوق كل من الزوج والزوجة تجاه الآخر:
يرسم القرآن الكريم هدف الزواج في صورة واضحة رائعة، قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 2]. ولا شك في أن الزواج الذي يحقق السكن والطمأنينة ويحقق المودة والرحمة هو الزواج الذي يرسمه الإسلام للمسلمين بل يقدمه الفكر الإسلامي طريق سعادة للجنس البشري، ومن الواضح أنه في ظل السكن والطمأنينة بين الزوجين، وفي ظل المودة والرحمة اللتين ينبغي أن تغمرا حياتهما، ستهون كل الصعاب وتذوب كل المشكلات، وتبدو الحياة فينانة بهيجة.

وللوصول إلى هذه الغاية يرسم القرآن الكريم والحديث الشريف الطريق للأزواج والزوجات، بحيث إن من سار في هذه الطريق يصل إلى تلك الغاية، وفيما يلي المعالم الرئيسة التي يرسمها الإسلام لأتباعه ليصلوا عن طريقها لأسعد غاية، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عليهِنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ البقرة: 228.
﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عليهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾الطلاق: 7.
﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عليهِنَّ﴾ [الطلاق: 6.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ ِمَا حَفِظَ اللّهُ﴾ النساء: 34.
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].
وقال صلى الله ه وسلم : «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه، فالرَّجلُ راعٍ في أهلِه وهو مسؤولٌ عن رعيَّته والمرأة راعيةٌ في بيتِ زوجها وهي مسؤولةٌ عن رعيَّتِها».
«اسْتوصُوا بالنساءِ خيرًا».
«خيرُكم خيركُم لأهلِه – وأنا خيرُكم لأهلِي».

وهكذا نجدُ في هذه الآيات المحكمات والأحاديث الشريفة خيرَ نبراسٍ يهدي لحياة السكينة والطمأنينة، وعيش المودَّة والرَّحمة، ففي الآية الأولى التي أوردناها تكافؤ بين الزوج والزوجة، ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عليهنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 228] ثم هناك إلزام الزوج بأن ينفق على زوجته بقدر طاقته وعليها كذلك ألا تكلفه ما لا يطيق، وأيًّا ما تكون مكانة الزوجة قبل الزواج فإنَّ مكانتها بعد الزواج ترتبط بمستوى زوجها ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾، ومع أن الحياة ينبغي أن تسير في ظل التعاون والحب، لا رئيس ولا مرؤوس، فإن الرجل بحكم التزاماته ومسؤولياته له القوامة عندما تختلف الآراء، وعلى المرأة أن تحفظ سر زوجها فلا يطلع عليه أحد، ثم هناك أحاديث للرسول وفيها تحديد المسؤولية التي يلتزم بها كلٌّ من الزوج والزوجة، ثم فيها وصايا طيبة بالنساء.

وهكذا تقتضي الحياة الزوجية اندماجًا في العون واندماجًا في التعاون دون حدود، فالعلاقات التي بين الزوجين تفوق كل العلاقات، ولقد صورتها الآية الكريمة أجمل تصوير حين قالت: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187]، فماذا بعد ذلك يمكن أن يضن به زوج على زوجته أو زوجة على زوجها.. إن الزوج يجب أن يصبح لزوجته كل شيء فقد اختلعها من أهلها وربما سار بها بعيدة عن الأهل، وهو كذلك حل لها من بين الناس صبَّ في حياتها كل ماضيه ومستقبله، ووضع في جيبها نتائج كدحه، وكل هذا يحتم أن يعمل كل منهما لإسعاد الآخر، وأن يؤثره على نفسه في كثير من الأحوال وأن يجعل المودة والرحمة دستور حياتهما ليصير بيت الزوجية حافلًا باليمن والبركة ولتظلله عناية الله ورضاه…

ومن الواضح أن هناك زلات لابدَّ أن تحدث من أيٍّ من الزوجين، فكل منهما بشر يخطئ ويصيب ولكن الواجب على المخطئ ألا يتمادى في خطئه وأن يعتذر عنه، ويمحو آثاره والواجب على الآخر أن يستجيب للاعتذار وأن يغفر الزلة وأن يتذكَّر آنذاك محاسن الطرف الآخر وأفضاله حتى لا تسيطر السيئة عليه وتعظم لنتائجها، وليس هناك مانع أن يجري عتاب خفيف بشرط أن يتَّجه نحو الإصلاح والصلح لا نحو تجسيم الذنب والثورة من أجله، وينبغي أن يجري ذلك العتاب في خلوة من الناس، بل من الأولاد ولا يعلن عن الخلاف للأهل إلا إذا عجز الطرفان عن تسويته.
التكافل بين الوالدين والأبناء:
قضت الطبيعة أن الصلة بين الآباء والأبناء غير متكافئة، فالآباء يتجهون عند سلامة الفطرة إلى العناية الكاملة بأولادهم، بل إلى الافتتان بهم أحيانًا، فإذا نما الأبناء اتجهوا بدورهم غالبًا إلى أبنائهم هم لا إلى آبائهم، إنهم يتجهون لتنشئة الجيل التالي لا إلى مكافأة الجيل الفائت، وتلك هي سنة الطبيعة، وهي كبيرة الاتصال بعمران الكون.

ذلك هو اتجاه الفطرة، بيد أن الإسلام حرص على تهذيب الفطرة بالنسبة للأولاد مع آبائهم، فجاء القرآن الكريم في آيات مجملة ومفصَّلة يبرز حقوق الآباء، ويلزم الأبناء تجاههم بمسؤوليات دقيقة لا يمكن تجاوزها، وكذلك جاءت أحاديث الرسول ترسم جهود الآباء وتوضح حقوقهم تجاه الأبناء ولنورد فيما يلي هذه المعالم الكبرى، قال تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 23، 24].
﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عليكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: 151].
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: 14، 15].
﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: 15].
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: 215].
﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت: 8].
ونظرة سريعة في هذه الآيات المحكمات نجدها أولًا تربط الإحسان للوالدين بتوحيد الله مما يوحي بأن الإحسان للوالدين يلي التوحيد مباشرة وتلك غاية عظمى، ونجدها ثانيًا تحثُّ المسلم على الإحسان للوالدين حتى إن كانا كافرين، أو حاولا إعادة الابن إلى الشرك بالله، ونجدها ثالثًا تسجل للأم ما احتملته من عناء في الحمل والولادة، ونجدها رابعًا تحذِّر من أقل درجات العصيان ممثلًا في التأفف والاستنكار. ونجيء بعد ذلك للحديث الشريف لنروي بعضًا مما ذكره الرسول موصيًا بالوالدين، قال صلى الله ه وسلم : «الوالدان أوسط أبواب الجنة فحافظ على والديك».
جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله ه وسلم ، فقال: يا رسول الله نبئني من أحقِّ الناس بحسن صحبتي؟ فقال: «أُمُّك». قال ثم مَن؟ قال: «أُمُّك». قال ثم مَن؟ قال: «أُمُّك». قال ثم من؟ قال: «أبُوك».، «الجنَّةُ تحتَ أقدامِ الأمَّهات».، «رضا اللهِ في رضا الوالدين، وسَخط الله في سَخط الوالدين».

وهكذا يسير الرسولُ صلى الله ه وسلم في المجال الذي سار فيه القرآن الكريم فيوصي أعمق الوصاية بالوالدين، ويخص الأم بمزيد من الرعاية، ويحذِّر من إغضابهما، فإن فعل الإنسان جلب على نفسه غضب الله وسخطه.

وفي ظلِّ هذه التعاليم يلتزم الأولاد بكل حاجات الآباء عندما يحتاج الآباء.. ويلتزم الأولاد بأكثر من قضاء الحاجة، إنهم يلتزمون بالحنان والعطف والكلمة الطيِّبة، والخدمة الصادقة.
بل إن أحاديث الرسول أحاديث لا تقنع بالحث على بر الوالدين في أثناء حياتهما، وإنما توصي بأن يمتدَّ البر إليهما إلى ما بعد موتهما، وترسم لذلك خططه، روي عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، إذ جاء رجلٌ من بني سلمى فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبويَّ شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: «نعم، الصلاةُ عليهما، والاستغفار لهما، وانفاذُ عهدهما من بعدهما، وصلةُ الرَّحمِ التي لا توصل إلَّا بهما، وإكرام صديقِهما».

ولم تقف الأحاديث عند الحثِّ والإرشاد، ولكنها تخطت ذلك فحذرت وأنذرت من عق والديه، فقد روي عن الرسول صلى الله ه وسلم مجموعة من الأحاديث الرادعة الصارمة نورد منها ما يلي: «الكبائر أربعة: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس» الكاذبة.
«ثلاثة لا ينفع معهن عمل: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف».
وهكذا نجد عقوق الوالدين إحدى الكبائر التي تضطرب منها النفس وتهتز، فقد جُمِع في إطار واحد مع الشرك بالله ومع الفرار من حومة الجهاد المقدَّس، وتلك لعمري أحطُّ ما يُبلى به الإنسان.
على أن هناك حديثًا يخاطب الذين شغلتهم الدنيا عن برِّ الوالدين، يخاطبهم باللغة التي يعرفونها بالوعيد أن تزول عنهم هذه الدنيا، وأن يجدوا فيها جزاءهم على هذا الإثم قبل أن يلاقوا جزاءهم في الآخرة. قال صلى الله ه وسلم : «كلُّ الذنوب يؤخِّرُّ الله منها ما يشاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإنَّ الله يعجِّله لصاحبه في الحياة قبل الممات».

ولنعد الآن إلى الجانب الثاني من البحث وهو حق الأولاد تجاه الآباء…. وفي هذا المجال لا نجد تفاصيل واسعة في القرآن الكريم والحديث، لأنَّ هذه المصادر تركته للطبيعة كما قلنا من قبل، فالطبيعة تدفع الإنسان، بل حتى تدفع الحيوان والطير، للحفاظ على الابن بما لا يحتاج معه إلى مزيد من الوصية والتعليم بل إن الإنسان قد يبالغ في حُبِّ أولاده حتى يفتتن بهم أو يركب الشطط من أجلهم، والقرآن الكريم يحذّر من هذا الانحراف حتى لا يسير الإنسان وراء غريزته دون هدى أو بصيرة، استمع إلى قوله تعالى: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾ [الكهف: 46].
﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [الفتح: 11].
﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ [الحديد: 20].
وهكذا ترك للغريزة شأن رعاية الأولاد، فإذا وجد من الناس من انحرفوا عن الطبيعة وشغلوا بأنفسهم أو بملاذهم عن أولادهم فإن الفكر الإسلامي يتدخَّل؛ ليعيد هؤلاء راغمين إلى الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، أو على الأقل إلى مستلزماتها إن كانت الفطرة قد ماتت عندهم، وهنا آن لنا أن نتحدث عن الأولاد وحقوقهم التي قد تغيب عمن عميت أبصارهم وبصائرهم:
حقوق الأولاد:
الأولاد ثمرة الزواج وهدف مهم من أهدافه، وهم يمثلون حياة جديدة للإنسان بعد انقضاء حياته، فالأب يعيش فيهم وفي أولادهم فترات طويلة بعد انقضاء أجله، وإذا كان الهدف السريع للزواج هو أن يجد زوجة يسكن إليها ويطمئن لها، فإن الأولاد هم الوسيلة لتثبيت هذا السكن وتلك الطمأنينة، ويقول علماء النفس أن الفتور يطرأ على كثير من الزيجات بعد فترة طويلة أو قصيرة، وأن الأولاد هم الذين يعوِّضون هذا الفتور والإنسان يحب زوجته لنفسها أو يحبها لولده، ومن هنا كانت حالات الطلاق بين الآباء والأمهات الذين لهم أولاد أقل جدًّا من حدوث الطلاق بين زوجين لا أولاد لهما، ليس فقط من أجل الأولاد بل من أجل الحب الجديد الذي يخلقه الأولاد في كثير من الحالات بين الزوج وزوجته.

ويلتزم الأب بحقوق واسعة بالنسبة لولده، تبدأ بحسن اختيار أمه، ثم بحسن تسميته، وحسن تربيته وتوجيهه، وكفالته ماليًّا ما دام محتاجًا لهذه الكفالة وإذا لم يقم الأب بمسؤولياته تجاه أبنائه ألزمه القانون الإسلامي بأداء هذه المسؤوليات.

التسوية بين الأولاد في العطاء والمعاملة:
وننتقل الآن إلى نقطة مهمة في علاقة الأب بأبنائه، وهي نقطة ينزلق فيها كثير من الآباء فيشعل نارًا حوله، ويشعل نارًا بين أبنائه تلك هي عدم التسوية بينهم في النفقات والعطاء في أثناء حياته، ولعمري إن الابن الذي يكسى بأحسن من كساء إخوته، أو يعطى أكثر منهم يفقد من حبهم أضعاف ما نال من فضل في المال، ويروى أنَّ زوجة بَشير بنِ سعد الأنصاري طلبت إليه أن يخصَّ ولدها النُّعمان بمنْحةٍ مالية، وأرادت توثيق هذه الهبة، فطلبت منه أن يُشهد عليها الرسول صلى الله ه وسلم ، فاستجاب لها بشير، وذهب للرسول يطلب شهادته على ذلك، فقال له الرسول: «هل للنعمان أخوة؟». قال بشير: نعم. فسأله الرسول: «فكلَّهم أعطيتَ مثل ما أعطيتَه؟». قال بشير: لا. فقال الرسول: «ليس يصلح هذا، وإنَّني لا أشهدُ إلَّا على حقٍّ فلا تُشْهدني على جَوْرٍ، إنَّ لبنيك عليك من الحقِّ أن تعدِل بينهم، كما لك عليهم من الحقِّ أن يَبَرُّوك، اتَّقوا الله واعدلوا بين أولادِكم»، ويروى هذا الحديث عن النُّعمان بنِ بشيرٍ نفسِه قال: إنَّ أباه نحلَه غلامًا وإنَّه جاء النبي صلى الله وسلم يشهده، فقال: «أكلَّ ولدك نحلْتَه؟» قال: لا. قال: «فارْدُده».

ذلك هو الاتجاه العام في علاقة الأب بأبنائه في أثناء حياته، بيد أنَّ هناك ظروفًا أجاز العلماء أن يخصَّ الأب فيها بعض أبنائه بشيءٍ، كأن يكون أحدهم أكثر حاجة لمرضٍ، أو كثرة عائلة، أو لاشتغاله بالعلم عن الكسب أو نحو ذلك، وقد رُوى أن أبا بكر رضي الله عنه نحل السيدة عائشة في حياته نحلة خصَّها بها عن إخوتها.. ولكن عائشة لم تتسلَّم النحلة. وقبيل وفاة أبي بكر قال لها: يا بنية: إني كنت نحلتك نحلة، فلو أنك احتزتها كانت لك، وهذا يدل على جواز أن يخصَّ الأب أحد أبنائه في حياته بشيء لسبب يراه وإذا تسلَّمه المعطَى له أصبح حقَّه. على أن نعيد هنا ضرورة أن يكون هناك سبب مقبول يجعل الأب يخصُّ بعض أولاده بشيء. وفي هذا المجال لا نرى داعيًا لكثير من الحرج، فإن العطاء لواحد من الأولاد قد يصل أحيانًا حد الوجوب، كأن تشتدَّ حاجة ابنٍ إلى العون لكثرة أولاده أو لحادث طارئ عليه.

وهناك كذلك ظروف تدفع الأب للتقليل من حظ أحد أبنائه في حياته أيضًا، كأن يكون فاسقًا أو مبتدعًا أو كأن يستعين بالمال على ارتكاب المعاصي، وقد وضع هذا المعنى الإمام أحمد في جملة وافية حين قال: لا بأس بالتَّفاضل إذا كان لحاجةٍ، وأكرهه على سبيل الأثرة والعطيَّة.

وفي حالة الحاجة التي تَسْتدعي تفاضلًا، ينبغي أن يكون التفاضل بقدر هذه الحاجة بحيث لا يثير حقدًا ولا يحرّك ضغينة، وينبغي على المفضولِ أن يقدِّر الحاجة التي دعت إلى هذا التفاضل.
ولا يكتفي المفكرون المسلمون بذم المفاضلة في الإنفاق والعطاء، وإنَّما يذمون أيضًا المفاضلة في الملاحقة والمعاملة، فينبغي أن يسير الأبوان في ذلك على نمطٍ دقيق لا يثير حقد أحدٍ من الأبناء على أحد ولا يُقلل من تماسك الأسرة والتواد بينهما.

وتكون الحاجة للعدالة والمساواة مُلِحَّة لو كان الأبناء من زوجات متعددات فإنَّ أي انحراف من الأب سيثير حقد هذه الزوجة أو تلك.. ولن يُحمل محملًا حسنًا بوجه من الوجوه، وفي بيت نبوة أحس بعض أبناء يعقوب بتفضيله يوسف وأخاه عليهم فجرَتْ الأحداث التي أوردتها سورة يوسف مبتدئة بالآية الكريمة ﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [يوسف: 8].

ذوو القربى والتكافل:
في مطلع الكلام عن ذوي القربى ووجوب التكافل بينهم نخصُّ الإخْوة بحديث، فهم قمَّةُ ذوي القربى وأهمهم، والإنسان يطالع في المجتمع ما يمكن أن يُعدَّ مأساة مريرة في علاقات الإخوة بعضم ببعض، فالإخوة الذين نشأوا في بيت واحد وأكلوا من طعام واحد، وتبادلوا أحيانًا الفراش واللباس، تراهم عقب موت الأب ينزلون معمعة من الصراع تدور بهم ولا تقف، وأعراض الدنيا في الغالب هي سبب النزاع، حتى ارتبطت الخلافات بين الإخوة في الغالب بالميراث والثراء، وهذا آفة من آفات الثراء، ويصل هذا النزاع إلى درجة تجعل من يحنو على أخيه أو أُخْته مضرب المثل في الحنان والسماحة.

يالله!! كيف جاز أن تسطو أعراض الدنيا على أقرب الناس إلى الإنسان فتبعده عنه؟ وتضعف أو تُقَطِّع وشائج القُربى القوية؟

ودراسة القرآن الكريم ترينا أنَّ رابطة الأخوة أسمى درجات الارتباط، فكل وصف لعلاقة طيبة يوسم بالأخوة، وكل متحابين يوصفون بالأخوة، اقرأ معي قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عليكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103]، ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47]، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ [الحجرات: 10].
وهذه الآيات البينات واضحة الدلالة على أن الإخوة يجب أن يكونوا هكذا، تشد الألفة نفوسهم وتخلو قلوبهم من الغل، وتجمع بينهم أسمى الروابط.
وفي القرآن الكريم آيات أخرى ترينا أنَّ إهمال الأخ أو العدوان عليه إثم مذموم وامتهان مستقبح وأنَّ قطيعته ينبغي ألا تكون إلا يوم الحساب يوم يشد كل بعمله وينشغل عن سواه. اقرأ قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ ميْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ الحجرات:12.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ عبس: 34 –37.

وحقُّ الأخ على أخيه شامل للجانب المادي والجانب الأدبي، حق يوجب العون المالي عند الحاجة إلى المال والنصح الرشيد عند الحاجة إلى النصح، والنصرة عندما يتعرَّض لعدوان، ولعل كل هذه المعاني موجودة في الحديث الشريف: «انصرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، قيل: يا رسول الله ننصره مظلومًا.. فكيف ننصره ظالمًا؟.. قال: «تمنعه من الظلم».

وهناك حديث آخر يسمو بالعلاقة بين الأخوين إلى درجة الحب، ولا يقف بها عند العون المادي والأدبي، قال صلى الله وسلم : «لا يَكملُ إيمانُ المرءِ حتَّى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسِهِ».
ويرى بعض الباحثين أن المقصود في الحديث الأخ في الإسلام لا في النسب فقط، وعلى فرض هذا فالأخ في الدم والدين أولى وأهم، ومثل قوله صلى الله وسلمخ : «مثلُ الأخوينِ مثلُ اليدين تَغْسلُ إحداهما الأُخرَى».

وإذا صح أن كثيرين من الإخوة يعادون إخوتهم ليظفروا بأكبر نصيب من المال لأولادهم، فإننا نهمس في أذن هؤلاء بأنَّ أولادهم أخوة لبعضهم البعض، وأنهم سيرثون آباءهم في هذه الاتجاهات، وسيقف كل منهم يومًا ضد أخيه، كما وقف أبوهم يومًا يصارع أخاه، فلنضرب المثل الصالح لأولادنا ليظلوا جديرين بحمل هذا اللقب الذي منحته لهم الطبيعة وهو لقب الإخوة، وسيرون أن حسن العلاقة بين الأخ وأخيه يفضل كل شيء ويرجح كل ثراء…

وبعد أن خصصنا الإخوة بهذا الحديث، نعود للحديث عن ذوي القربى على العموم، ولنجعل آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول نبراسًا نهتدي به في هذا المجال، قال تعالى:
﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ﴾البقرة: 77.
﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الروم: 38].
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: 215.

وفي الحديث القدسي: يقول الله تعالى: «أنا الرَّحمن، وهذه الرَّحِمُ، شققتُ لها اسمًا من اسمي، فمَنْ وصلَها وصلتُه، ومن قطعَها قطعتُه».

وقال صلى الله وسلمتُ : «الصدقةُ على المسكينِ صدقةٌ، وعلى ذي الرَّحم ثنتان: صدقةٌ وصلةٌ».
«منْ أحبَّ أن يُبسَطَ له في رزقِهِ ويُنْسأَ له في عُمْرِه فليَصلْ رَحمَه».
«إنَّ أعجلَ الطاعة ثوابًا صلةُ الرَّحمِ، حتى أن أهل البيت ليكونون فُجَّارًا فتنمو أموالهم ويكثرُ عددُهم إذا وصلوا أرْحامَهم».

يدُ المعطي العلىا، وابدأْ بمَنْ تعول، أُمَّك وأباك وأُخْتَك وأخاك ثمَّ أدْناك أدْنَاك».
«أفضلُ الصَّدقةِ، الصدقةُ على ذي الرَّحِمِ الكاشحِ».

عن أبي ذرٍّ قال: «أوْصاني خليلي عليه السلام بصلةِ الرَّحمِ وإن أدْبرتْ»، وهكذا ربطت الآيات الكريمة بين أسمى العقائد – الإيمان بالله واليوم الآخر – وبين إعطاء ذوي القربى من أجود ما يملك الإنسان، وجعلت ما يحتاجه ذوو القربى حقًّا يلتزم القادر بأدائه، وجعلتْهم يتلون الوالدين في استحقاقِ العون والمُساعدة.

أمَّا الأحاديثُ الشَّريفة فقدَّمتْ لنا ألوانًا من التعاليم السامية إذ قرَّرت أنَّ الصدقة على ذي الرحم مزدوجة الفائدة ومزدوجة الثواب، وعلَّمتِ الطامعين في مزيد من الرزق وفي طول العمر أن يتخذوا صلة الرحم طريقًا لهذه الغاية، كما وعدت هؤلاء بسرعة الجزاء، وفي الحديثين الأخيرين سماحة عالية وتغلُّب على النفس الأمارة بالسوء، فقريبك الذي يبتعد عنك، ويُشيح بوجهه عن رؤياك، ينبغي أن تسعى له وتساعده وتعيده من البعد إلى القُربِ فإنَّك إن فعلتَ كان ذلك أفضل الصدقة.
تعدد الزوجات:
إنَّ تعدد الزوجات ليس من وضع الإسلام، وإنما هو تشريع قديم عرفته كل الحضارات وفي مقدِّمتها التوراة، وأقره الإنجيل إلا في حالة واحدة هي حالة الأسقف حيث لا يستطيع الرهبنة مع تعدد الزوجات فليكتف بزوجة واحدة. وقد بقي تعدد الزوجات معمولًا به في العالم المسيحي حتى حرَّمته القوانين الوضعية. ويقول الأستاذ محمود فؤاد الهاشمي – العالم الذي كان مسيحيًا وأسلم -: إن اعتراف الكنيسة بتعدد الزوجات بقي إلى القرن السابع عشر، وإن جميع الأديان، ومنها ديانة البراهمة وبوذا وعبّاد الوثن والمجوس، وكذلك المبادئ الوضعية، قد سايرت الحياة الواقعية وجارت الطبيعة البشرية في شؤون الزواج، وأتاحت هذا التعدُّدَ دون حدود.

ولم يقبل الإسلام تعدد الزوجات على النحو الذي عرفته حضارات الماضي بل حدده بعد أن لم يكن محدودًا، ونظمه بعد أن كان لا نظام له.. وقيّده وكان من قبل مطلقًا، ولذلك فمن العدل ألا نقول أنَّ الإسلام عدَّدَ الزوجات بل أن نقولَ إن الإسلام حدَّدَ الزوجات.

ويوافق الإسلام على أن هناك عوامل متعددة تدفع الرجل – مسلمًا كان أو غير مسلم – إلى التزوج بزوجة أخرى، ومن هذه العوامل عدم الولد لأن الزوجة عاقر، ومنها كذلك مرض الزوجة مرضًا طويلًا، والأديان الأخرى تبيح للرجل طلاق المرأة في هذه الأحوال ليتزوج أخرى، ولكن الإسلام يتَّجه إلى الرَّحمةِ ويبيح الإبقاء على هذه المرأة مع جواز الزواج بأخرى.

وبالإضافة إلى العوامل الفردية.. هناك عوامل اجتماعية كزيادة عدد النساء على الرجال في بعض البلاد، وكزيادة النساء التي تلاحظ عقب الحروب والفتن، وتعدُّدُ الزوجات هو الوسيلة للقضاء على أن يبقى عدد من النساء عوانس لا يجدن أزواجًا.

ويلاحظ المفكرون المسلمون أن المرأة هي التي يكثر أن تحتج ضد تعدد الزوجات مع أن المرأة هي التي تقبل هذا التعدد بموافقتها على الزواج من رجل متزوج.

وقد أعدَّت الجمهورية العربية المتحدة سنة 1963م مشروعًا للحدِّ من تعدُّدِ الزوجات، ومن الطلاق، بعد إباحة هذا وذاك إلا أمام القاضي مع تقديم أسبابٍ كافية، وفي نوفمبر من نفس العام، رفضت اللجنة المشكلة لدراسة هذا المشروع أن توافق عليه، وقالت اللجنة في أسباب الرفض: إنَّ تعدد الزوجات موجود بنسبة ضئيلة جدًّا لا تتجاوز الآن 2 %، ومن دراسة كثير من الحالات يتبين أن أكثر من نصف هؤلاء له دوافع مقبولة وحالات الطلاق كحالات تعدد الزوجات من ناحية النسبة والظروف، وتقلُّ النسبة من تلقاء نفسها في هذا وذاك على مرِّ الأيام، فلا داعي لإصدار قانون لا موضوع له تقريبًا وبخاصة أن ذكر الأسباب في حالة الطلاق قد يسيء إلى المرأة والأسرة على العموم.
الطلاق:
يبغضُ الإسلام الطلاق وينفِّرُ منه، ويحث على علاقة زوجية دائمة يصورها القرآن في صور رائعة حيث يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾الروم: 21.
﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ البقرة: 187.
﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ النساء: 21.
ومن أجل هذه العلاقة القوية استهجن الإسلام الطلاق ونفَّر منه، ورسم السبل لحلّ الخلافات دون اللجوء إليه ما أمكن ذلك، اقرأ معي هذه الآيات والأحاديث:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرً﴾ [النساء: 19].
﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عليهنَّ سَبِيلًا﴾ النساء: 33.

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا﴾ النساء: 35.
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عليهمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ النساء: 128.

ويقول الرسول الكريم: «لعَنَ اللهُ كلَّ مزواجٍ مطلاقٍ».، «تزوجوا ولا تطلقوا؛ فإنَّ الطلاق يهتزُّ له العرش».

«أبغضُ الحلالِ إلى الله الطلاقِ».
ذلك هو موقف الإسلام من الطلاق، موقف واضح لا شبهة فيه، ولكن الإسلام، كما قلنا، دين الفطرة، والفطرة أثبتت أن كل شركة يمكن أن تفشل وأن الحب قد تعقبه الكراهية، وأن هذه السبل السابقة قد تعجز عن إقامة أسرة سعيدة أو حتى عادية، والإسلام لذلك يعترف بالأمر الواقع، ويضع الطلاق حلًا عند الضرورة لهذه المشكلة. قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ البقرة: 229.
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 232].
إنَّ الطلاقَ دواءٌ مرُّ المذاق، ولكن مرض الشقاق أكثر منه مرارة وقسوةً، وطالما بتر الأطباء عضو إنسان حرصًا على الإنسان كلِّه، ولا شك أنَّ الطلاق خير من الموقف المائع الذي يحصل كثيرًا في الغرب عندما تسوء العلاقة بين الزوج وزوجته وعندما لا يبقى طريق للتوفيق بينهما، فإننا نرى كلًا منهما يتخذ طريقه حرًّا إلى الخِدانة، فتتخذ الزوجة خدينًا غير زوجها، ويتخذ هو خدينة غيرها، لأنَّ الزواج غير مباح لأي منهما قبل الطلاق، والطلاق يصعب الحصول عليه، فلتكن الخدانة الأثيمة هي الحل، وقد أدركت بعض الدول الغربية ما في ذلك من عبث فيسَّرت أمر الحصول على الطلاق.
القوامة:
وتشير الآيات والأحاديث التي اقتبسناها آنفًا إلى ضرورة إقامة علاقة قوية العرى بين الزوج وزوجته، علاقة تكون من الزوجين فكرًا واحدًا وتجعل لهما هدفًا واحدًا، فليس هناك رئيس ولا مرؤوس وليس هناك آمر ولا مأمور. ولكن الطبيعة أثبتت أن الرئاسة ضرورية لكل مجتمع صغير أو كبير. وأن اختلافًا كبيرًا في الرأي قد يحدث ولابُدّ أن يوجد آنذاك من يبت في الأمر ويتخذ فيه قرارًا ويكون مسؤولًا عنه، ومن هنا كانت القوامة، وكان طبيعيًا أن تكون القوامة للرجل كفاء مسؤولياته المختلفة تجاه الأسرة، وكفاء تفوقه الطبيعي الذي أشرنا إليه من قبل.

أما طبيعة المرأة فيلاحظ فيها إرهاب العاطفة، وسرعة الانفعال وشدّة الحنان، وقد خلقت هذه الصفات في المرأة لتستطيع بها أن تؤدي وظيفتها الأولى، وهي الأمومة والحضانة، وإذا كانت هذه الصفات لازمة في مضمار الأمومة والحضانة، فقد تكون ضارة في مضمار القيادة والرياسة.

أما الرجل فقد يندفع في الغالب مع عواطفه ووجدانه كما تندفع المرأة، بل يغلب عليه الإدراك والفكر وهما قوام المسؤولية، ومن أجل هذا – بالإضافة إلى المسؤوليات المالية والأدبية – كانت القوامة للرجل، وقد علل القرآن الكريم قوامة الرجل بقوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ النساء: 33.

على أن قوامة الرجل يلزم أن تكون قوامة رحيمة، يتعاون فيها مع الزوجة ويرفق بها، ويلزم كذلك أن تكون عادلة، فليس له أن يطلب من زوجته مطلبًا غير عادل. قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عليهنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عليهنَّ دَرَجَةٌ﴾ البقرة:228.

ثم إن الإسلام أعطى المرأة الحق في التدخل في اختيار زوجها وبهذا تشترط المرأة في اختيار القيّم عليها، ولها أن تلاحظ فيه المقدرة على القوامة الرشيدة.

وتبدو قوامة الرجل – كما قلنا آنفًا – عند اختلاف وجهات النظر، أما في الحياة العادية فلكل سلطاته وسلطانه، وكل من الرجل والمرأة بل والخادم مسؤول عما تحت يده في عالم الأسرة، قال صلى الله وسلمن : «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّته، فالرَّجلُ راعٍ في أهلِه وهو مسؤول عن رعيَّته، والمرأةُ راعيةٌ في بيتِ زوجها وهي مسؤولةٌ عن رعيَّتِها، والخادم راعٍ في مال سيدِّه وهو مسؤولٌ عن رعيَّتِهِ».

Scroll to Top
انتقل إلى أعلى