ماذا تعرف عن التحكيم(9)قواعد السلوك الملزمة للمحكم “الحياد والاستقلال”

بقلم الاستاذة الدكتورة /منى طه عامر
المحامية بالنقض
محكم دولى معتمد

استكمالاً لما عرضناه من قواعد ملزمة لهيئة التحكيم والتى تتعلق بسلوك شخص المحكم وذلك حتى تصح الاحكام الصادرة عنهم وتستوفى خاصية كونها أحكاماً قضائية بالمعنى المحدد لذلك فى نظم التحكيم المختلفة .

وبعض هذه الشروط يتصل بشخص المحكم أو وظيفته (مثل الاهلية وعدم تولى منصب أو وظيفة يمتنع على شاغلها أن يكون محكماً ) وبعضها يتصل بسلوك المحكم قبل تعيينه أو بعد تعيينه ( أى مباشرة اجراءات التحكيم ).

وأهم مصدر للقواعد السلوكية للمحكم التى يجب أن يتحلى بها ويلتزمها المحكم هو الحياد والاستقلال الذى يعتبر حجر الزاوية فى فكرة القضاء كلها سواء أكان قضاء دولة (المحاكم النظامية او القانونية ) أم كان قضاءً خاصاً مثل قضاء التحكيم .

  • ” والحياد والاستقلال ليسا مجرد فكرتين عامتين ، ولكنهما مفهومان محددان تماماً فى القانون المحلى والدولى “.
    ويؤدى عدم وجودهما الى إنكار العدالة ، ويجعل مصداقية العملية القضائية موضع شك ونزاهة القضاة وحيادهم واستقلالهم حق من حقوق الانسان ومقرر لمصلحة المتقاضين أكثر من كونه امتيازاً للقضاة انفسهم ويمنح ضماناً واكراماً لهم .
    ويجب على القضاة أن يكونوا مستقلين وأن يتحرروا من أية قيود أو نفوذ أو إغراءات أو ضغوط أو تهديدات أو تدخلات مباشرة او غير مباشرة واستقلالهم ليس عن السلطة التفيذية والسلطة التشريعية فحسب ، ولكن أيضاً عن زملائهم ورؤسائهم فى الجهاذ القضائى ….ومبدأ الاستقلال والنزاهة … يعتمد على ثقافة المجتمع وآدابه ونظامه القانونى ، وعلى صفات القاضى وحساسيته الشخصية وكفاءته الفردية .
    والاستقلال والنزاهة هما أهم المميزات الشخصية ، وهما فى الوقت نفسه قاعدتان للآداب التنظيمية والمهنية تنتجان من الضمير الشخصى للقاضى الذى لا يقوم دون يقظته ووعيه المستمر أى أنه نظام قضائى حقيقى .
    وهذا كله مطلوب بصورة ما ، من المحكم .
    لكن نزاهته وحياده واستقلاله هما الاساس الذى تبنى عليه منظومة قواعد السلوك الواجبة الاتباع ، وترد اليها تفاصيلها فى نظام التحكيم كله .
    وتحاول مؤسسات ومراكز التحكيم أن تصنع اطاراً من العدالة والحياد للتحكيم واجراءاته وفى سبيل ذلك تتبنى معايير خلقية لسلوك المحكمين .ومن امثلة ذلك ” ميثاق السلوك فى التحكيم التجارى” الذى وضعه اتحاد التحكيم الامريكى (AAA) وهو يتضمن قواعد ارشادية للمحكمين ورؤساء هيئات التحكيم عن السلوك المقبول فى ادارتهم لما يعرض عليهم من قضايا تحكيمية ، ولا سيما حول مدى ضرورة حياد المحكم والالتزام بعدم إفشاء اسرار ما ينظره من تحكيمات ومسوغات رد المحكم والتصرف فى حالات استشعار الحرج .
    ومسألة الالتزام بالمحافظة على الاسرار المهنية التى تصل الى المحكمين بحكم عملهم مسألة بالغة الاهمية فى سلوك المحكم وفى سلوك الاطراف الذين يتعين عليهم أيضاً عدم افشاء اسرار التحكيم الذى دارت وقائعه بينهم ولذلك تمنع نصوص قوانيين التحكيم الحديثة ومن بينها قانون التحكيم المصرى ، نشر الاحكام دون موافقة اطرافها .
    “وعلة هذا المنع واضحة لان قضايا التحكيم تتضمن اسراراً لا يجوز ان يطلع الغير عليها خاصة فى المجالات التنافسية تجارية كانت ام صناعية “.
    ومخالفة هذه القواعد تجعل حكم التحكيم عرضه للبطلان اذا ترتب على المخالفة وقوع الحكم فى حومة احد الاسباب المنصوص عليها فى قانون التحكيم – المادة 53- عليها لبطلان الحكم .
    وقد تجعل المحكم نفسه عرضه لمطالبته بالتعويض اذا ترتب على المخالفة وقوع ضرر على أحد أطراف الخصومة .
    والجمع بين هذه القواعد انها تؤدى – عند عدم الالتزام بها – الى تحقيق اكبر قدر مستطاع من النزاهة والحياد والاستقلال للمحكمين …..وهو أمر يوفر للخصوم الثقة فى كفاءة المحكمين والاطمئنان الى أن الحكم الذى يصدرونه مبنى على حقائق الواقع كما استظهروها ، وعلى حكم القانون كما تبينوه ، لا على هوى يجمح بهم كلهم أو بعضهم ، ولا على مصلحة ينحرف بالطمع فيها ، قرارهم عن الحق والعدل .

وتنص المادة الاولى من قواعد مركز القاهرة على أنه :
” لا يجوز للمحكم الاتصال بأطراف التحكيم للسعى نحو التعيين أو الاختيار كمحكم “
فالسعى الى التعيين أو الاختيار لمهمة التحكيم يثير ريبة ظاهرة فى رغبة المحكم فى تحقيق مصلحة له ، يترتب عليها سعيه لا الى الحكم وفق احكام القانون وقواعد العدالة وإنما الى الحكم وفق ما يمليه عليه الطرف الذى قام بتعيينه أو وفق مصلحته سواء وافقت وجه الحق فى الدعوى ام خالفته .

وهذا مطعن فى سلوك المحكم يفقده الثقة والاعتبار ويحيط حكمه – كما يحيط اجراءات التحكيم نفسها بالشبهات .
وتنص المادة الثانية من القواعد نفسها على انه ” لا يجوز للمحكم قبول التعيين او الاختيار كمحكم الا بعد التأكد من القدرة والصلاحية لاداء هذه المهمة دون ماتحيز ، ومن امكان تخصيص الوقت والاهتمام اللازمين لذلك ” .

والشروط الواردة فى هذا النص بديهية لانه لو تولى التحكيم من لا تتوافر فيه هذه الشروط لتعذر وصول التحكيم الى الغاية التى انعقد من اجلها وهى الفصل فى النزاع بطريقة تحقق العدالة وتتفق مع القانون .

فالذى لا تتوافر فيه الكفاية الفنية ، والذى لا يستطيع أن يمارس التحكيم بغير إنحياز والذى لا يجد الوقت الكافى لانجاز التحكيم فى المواعيد المناسبة ، كل أولئك يسيئون الى العدالة التحكيمية ويلحقون الضرر بالخصوم ، ويفسدون معنى القضاء الذى يتميز تحقيق التحكيم له السرعة والكفاءة الناتجين عن التفرغ والخبرة .

  • وتوجب المادة الثالثة من قواعد مركز القاهرة لسلوكيات المحكم :
    “على من يرشح ليكون محكماً أن يصرح لمن يتصل به فى أمر هذا الترشيح بكل الظروف التى من شأنها إحتمال إثارة شكوك لها ما يبررها حول حياده أو استقلاله “
    وعلى المحكم بمجرد تعيينه أو اختياره التصريح بهذه الظروف لاطراف النزاع الا اذا كان قد سبق احاطتهم علماً بذلك .
    ويتعين على المحكم التصريح بما يلى :
    أ – علاقات الاعمال والعلاقات الاجتماعية المباشرة السابقة والحالية مع اى من اطراف التحكيم أو الشهود او المحكمين الآخرين .
    ب – علاقات القرابة و المصاهرة مع اى من اطراف التحكيم أو الشهود أو المحكمين الآخرين .
    ج – الارتباطات السابقة على موضوع التحكيم ويسرى هذا الالتزام بالتصريح بالنسبة لتلك الظروف التى تجد بعد بدء إجراءات التحكيم .
    ويتفق هذا النص مع مجمل المستفاد من نص المادة (16-3) من قانون التحكيم المصرى التى توجب على المحكم
    ” أن يفصح عند قبوله القيام بمهمته عن أية ظروف من شأنها اثارة اى شكوك حول حيدته واستقلاله “
    ومن المستفاد من نص المادة (18-1) من القانون نفسه التى لا تجيز
    ” رد المحكم الا اذا قامت ظروف تثير شكوكاً جدية حول حيدته واستقلاله ” .
    وأنه يكفى أن ينبئ ظاهر الامور عن وجود تصرف غير ملائم عن إنحياز المحكم بالغاء حكم التحكيم ويكفى أن يثبت طالب الالغاء احتمال إنحياز المحكم لتقضى المحكمة به استناداً الى مخالفة قواعد السلوك الواجبة الاتباع “.
    وكما أن المحكم المرجح – فى وقائع تلك الدعوى – لم يعلن الاطراف أن موظفاً فى أحد البنوك قد اتصل به ليوكله فى إحدى القضايا واخبره أنه حصل على اسمه من محامى أحد اطراف الخصومة التحكيمية ، وهو الطرف الذى حكم لصالحه ولم يعلم الطرف الاخر ، ولا المحكمان بهذه الواقعة التى تمت بعد حجز القضية للحكم الا بعد أن صدر الحكم فعلاً .
    والاخفاق فى اعلان هذه العلاقات يؤثر على مظهر الاجراءات والثقة فى عدالتها ” .
    والمحكم عليه ” أن يوفر للاطراف ولباقى المشتركين فى التحكيم الظروف الملائمة للفصل فى التحكيم بعدل ودون ما تحيز أو تأثر بضغوط خارجية او خوف من الانتقاد أو مصلحة شخصية ” .
    وعلى المحكم تخصيص الوقت والجهد اللازمين لسرعة الفصل فى التحكيم ، مع الاخذ فى الاعتبار مختلف الظروف المحيطة بالموضوع
    وقد قضى بأن ” إصدار حكم التحكيم دون سماع دفاع أحد الطرفين فى إحدى النقاط يعد مخالفة لقواعد السلوك الواجبة الاتباع فى التحكيم مساوية فى اثرها لسماع الشهود فى غياب احد الاطراف او كليهما ” .
    وقضى أيضاً بأن ” الخصم فى التحكيم يجب أن يمكن من سؤال شهوده وبأنه – من غير الجائز تسبيب الحكم تأسيساً على ادلة قدمها أحد الطرفين ولم يرها الطرف الآخر – وان طلب المحكم المرجح من أحد المحكمين أن يسعى لكى يقدم الطرف الذى يمثله ذلك المحكم ألة إضافية يمثل مخالفة لقواعد السلوك ” .
    وبأن اتخاذ قرار ” فى حضور أحد طرفى الخصومة دون الآخر برفض الاستماع الى المحامين يعد مخالفة لقواعد السلوك فى التحكيم “
    وتحقيقاً لحياد المحكمين أوجبت المادة الخامسة من قواعد مركز القاهرة على المحكم ” تجنب إجراء اتصالات من جانب واحد مع احد الاطراف بشأن اى موضوع يتعلق بالتحكيم ، وفى حالة حدوث ذلك يتعين على المحكم التصريح لباقى الاطراف والمحكمين بما تم ” .
    وتأكيداً لانتفاء الصلة بين المحكم والخصوم تنص المادة السادسة من القواعد نفسها على انه : ” لا يجوز للمحكم قبول هدايا أو مزايا بطريق مباشر أو غير مباشر من اى اطراف التحكيم ، وينطبق ذلك على الهدايا والمزايا اللاحقة على الفصل فى التحكيم ما دامت مرتبطة به ” .
    وقد أجمع الفقه الاسلامى على عدم جواز قبول القاضى للهدية ممن لم تكن عادته الاهداء له – كأهله واصدقائه قبل توليه القضاء – فإن قبلها ” فهى رشوة فى صورة هدية ويكون حكمها حكم الرشوة والامتناع عن اخذها وجوباً ” 0
    أما الذين كان من عادتهم الاهداء الى القاضى قبل ولايته القضاء فإنهم إن أهداه أحدهم شيئا فى وقت تكون له أمام القاضى خصومة منظورة فحكمها حكم هدية الاجنبى ، وان كانت أهديت اليه فى غير حال الخصومة : فإن كانت أكثر أو أرفع مما كان يهديه اليه حرم عليه اخذها ووجب ردها لان الزيادة لم تكن الا بسبب الولاية فهى حرام ، وإن كانت مثل ماكان

يهديه من قبل فيجوز له قبولها ولكن الاولى الامتناع عن ذلك درءاً للشبهات .
والواقع ان اعتبار المحافظة على السرية من أهم الاعتبارات فى مجال التحكيم والاصل أن التحكيم الدولى يوفر احتمالاً للسرية اكثر مما يوفر ذلك التحكيم المحلى ولكنه لا يوجد ضمان نهائى فى الواقع بتحقيق إجراءات معينة لسرية مطلقة للمعلومات التى توضع بين أيدى المحكمين .

وأرى ان وضع المحكم ومسئوليته عن سلوكه هى اخطر من قاضى الدولة ، ذلك أن قاضى الدولة هو معين ومختار من قبلها فهى التى تدقق فى اختياره قبل أن توليه منصب القضاء وهى المسئولة عن اختيارها والثقة فى القاضى تأتى من الثقة فى إختيار الدولة وتعيينها له ولان هيبة القاضى هى من هيبة الدولة ، وبالتالى فإن الثقة فيه وفى حيادة ونزاهته مفترض وجودهما فيه مسبقاً , أما فى المحكم فإن اختياره يكون من قبل احد طرفى الخصومة أو من كلاهما معاً ، وقد يكون فى نفس أحدهما هدفاً لاستمالة شخص المحكم ناحيته خاصة اذا عرض عليه النزاع مسبقاً قبل تعيينه وشرح له وجهة نظره ولوح له بأنه سوف يتم ترشيحه للفصل فى هذا النزاع كمحكم ، وهذا ما يحدث فعلاً فى الواقع العملى فى معظم قضايا التحكيم التى تعتمد على إختيار طرفى الخصومة للمحكم الفرد أو حتى المرجح ، وهنا يأتى دور المحكم الذى يتعين عليه أن يكون أميناً فى سلوكه وأن يكون على قدر كبير من التقوى ومراعاة الله فيما اسند اليه من مهمة وهى مسألة لا يمكن للقانون مهما اجتهد أن يضع لها قواعد تحكم هذا السلوك إن لم تكن هذه القواعد والمبادئ نابعة من ضمير المحكم نفسه ، وحرصه الشخصى على تحرى الحق والحقيقة وعدم تأثره شخصياً بأى طرف من أطراف الخصومة ، حتى ولو كان رشحه احدهم . فإن كان المحكم على درجة من التقوى والورع فسوف يكون حكمه عادلاً ونزيهاً ، وسوف يتمتع بسمعة طيبة وثقة فى شخصه بين أوساط التحكيم .

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x
Scroll to Top
انتقل إلى أعلى